دراما الدقيقة الأخيرة في مونتيليفي: جيرونا ينتزع نقطة ثمينة من أنياب خيتافي
تحت أضواء كاشفة غمرت جنبات ملعب مونتيليفي، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، شهد عشاق الدوري الإسباني فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. لم تكن مجرد مباراة عادية في وسط الجدول، بل كانت صراعاً تكتيكياً مريراً بين فلسفتين مختلفتين؛ فلسفة ميشيل الهجومية مع جيرونا، وصرامة خوسيه بوردالاس الدفاعية مع خيتافي. انتهت الملحمة بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، لكن تفاصيل هذا التعادل كانت تحمل في طياتها قصصاً من الصمود، الانكسار، ثم العودة الملحمية من بعيد.
صراع تكتيكي وأجواء مشحونة
بدأت المباراة بصافرة الحكم اليخاندرو جونزاليز، وسط أجواء جماهيرية صاخبة كانت تمني النفس بانتصار يعزز من مكانة جيرونا في المنطقة الدافئة. منذ الدقائق الأولى، وضح للجميع أن خيتافي لم يأتِ للنزهة، بل جاء لفرض أسلوبه المعتاد القائم على الضغط العالي والالتحامات البدنية القوية. لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت البطاقات الصفراء تخرج من جيب الحكم لتهدئة الأوضاع؛ ففي الدقيقة 17، تلقى توماس ليمار إنذاراً مبكراً بعد تدخل اتسم بالخشونة، ليعقبه دومينجيز دوارتي من جانب خيتافي في الدقيقة 25 ببطاقة مماثلة، مما عكس حالة التوتر والرغبة الجامحة في السيطرة على وسط الميدان.
كان الشوط الأول عبارة عن معركة كسر عظم في دائرة المنتصف، حيث حاول جيرونا بناء اللعب من الخلف عبر تمريرات قصيرة، لكن جدار خيتافي الدفاعي كان بالمرصاد. غابت الفرص الخطيرة المحققة، لكن الحوارات الثنائية بين اللاعبين كانت تنبئ بأن الشوط الثاني سيحمل الكثير من المفاجآت، خاصة مع ملامح الغضب التي ارتسمت على وجه المدرب ميشيل وهو يرى فريقه عاجزاً عن اختراق الحصون الزرقاء.
لدغة بيتر جونزاليس وصمت مونتيليفي
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل الفريقان برغبة أوضح في التسجيل. وفي الدقيقة 59، حدث ما لم يكن يتمناه جمهور الأرض؛ هجمة منظمة لخيتافي بدأت من الرواق، حيث أرسل خوان إجليسياس تمريرة عرضية متقنة ضربت عمق دفاع جيرونا، لتجد المتربص بيتر جونزاليس الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً تقدم الضيوف بهدف أول صعق المدرجات. ساد صمت مؤقت في الملعب، بينما احتفل لاعبو خيتافي بجنون مع مدربهم بوردالاس، الذي بدا وكأنه يرى خطته تؤتي ثمارها بالتمام والكمال.
هذا الهدف أجبر جيرونا على الخروج من مناطقه بشكل كلي، مما ترك مساحات خلفية حاول خيتافي استغلالها عبر المرتدات. ومع مرور الوقت، بدأ اليأس يتسلل إلى قلوب المشجعين، خاصة مع تزايد البطاقات الملونة؛ حيث نال أليكس مورينو بطاقة صفراء في الدقيقة 80، تبعها إنذار لمنافسه ماريو مارتن في الدقيقة 83، مما زاد من تقطع رتم اللعب الذي كان يصب في مصلحة الضيوف.
ثورة التبديلات والعودة من حافة الهاوية
شعر ميشيل أن المباراة تفلت من بين يديه، فقرر إجراء تغييرات جذرية لضخ دماء جديدة في عروق فريقه. في الدقيقة 71، غادر بريان جيل وتوماس ليمار أرضية الميدان ليدخل بدلاً منهما الشابان جويل روكا وداودا كمارا. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل دفع بالثنائي خوان ارانجوو وأليخاندرو فرانسيس في الدقائق الأخيرة بدلاً من إيفان مارتن وهوغو رينكون، في محاولة انتحارية لتعديل النتيجة.
دخلت المباراة في نفق مظلم لجيرونا مع وصول الوقت الأصلي لنهايته، وزاد الطين بلة حصول البديل جويل روكا على بطاقة صفراء في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع. لكن كرة القدم، كما عودتنا دائماً، لا تعترف بالنهايات إلا مع صافرة الحكم الأخيرة. وفي الدقيقة الرابعة بعد التسعين (90+4)، ومن ركلة ركنية أو كرة عرضية يائسة، ارتقى فيتور رييس فوق الجميع، مستغلاً تمريرة حاسمة من أليكس مورينو، ليسكن الكرة في الشباك مفجراً بركاناً من الفرح في مدرجات مونتيليفي. لقد فعلها جيرونا في الوقت القاتل، وخطف تعادلاً كان يبدو مستحيلاً قبل ثوانٍ معدودة.
تحليل فني وختام ليلة دراماتيكية
بالنظر إلى مجريات اللقاء، نجد أن التبديلات التي أجراها ميشيل كانت هي المفتاح الحقيقي للعودة؛ فإشراك داودا كمارا وجويل روكا منح الفريق سرعة إضافية في التحولات، بينما كان إصرار أليكس مورينو على تقديم المساندة الهجومية رغم حصوله على إنذار هو ما صنع الفارق في لقطة الهدف. في المقابل، دفع خيتافي ثمن تراجعه المبالغ فيه في الدقائق العشر الأخيرة، حيث ظن رفاق بيتر جونزاليس أن النقاط الثلاث قد حُسمت، لكنهم تناسوا أن جيرونا يمتلك روحاً قتالية عالية على ملعبه.
انتهت المباراة بتوتر كبير تجسد في بطاقة صفراء أخيرة نالها فلاديسلاف فانات في الدقيقة 96، لتعلن صافرة اليخاندرو جونزاليز نهاية معركة كروية ستبقى عالقة في الأذهان. بهذا التعادل، رفع جيرونا رصيده إلى 25 نقطة مستقراً في المركز العاشر، مواصلاً رحلته المتوازنة في الدوري، بينما ظل خيتافي في وضع حرج في المركز السابع عشر برصيد 22 نقطة، حيث كانت هذه النقطة بمثابة جرعة أمل لكنها ممزوجة بمرارة ضياع فوز كان في المتناول حتى اللحظة الأخيرة.

