صمود "سيوتات دي فالنسيا": ليفانتي يحبس أنفاس أتلتيكو مدريد في ليلة تكتيكية بيضاء
تحت أضواء ملعب سيوتات دي فالنسيا الكاشفة، وفي أمسية كروية غلفها الحذر والندية، حبست أنفاس الجماهير طوال أربع وتسعين دقيقة من الصراع التكتيكي المحتدم. لم تكن مواجهة ليفانتي وضيفه أتلتيكو مدريد مجرد مباراة في جدول الدوري الإسباني، بل كانت معركة كسر إرادة بين طموح "الروخي بلانكوس" في تشديد الخناق على الصدارة، وعناد أصحاب الأرض الساعين للهروب من مناطق الخطر. ورغم غياب الأهداف، إلا أن الإثارة كانت حاضرة في كل التحام، وفي كل توجيه صادر من دكة البدلاء، لتنتهي الموقعة بتعادل سلبي منح كل فريق نقطة، لكنه ترك خلفه الكثير من القصص لتروى.
أجواء ما قبل الصدام: هدوء يسبق العاصفة
كانت الأجواء في فالنسيا تشير إلى سهرة صعبة؛ فالمدرجات التي امتلأت بعشاق ليفانتي كانت تدرك أن الضيف ثقيل الظل، يقوده "التشولو" دييجو سيميوني الذي لا يعرف المهادنة. في المقابل، دخل لويس كاسترو، مدرب ليفانتي، المباراة وهو يدرك أن الانضباط الدفاعي هو المفتاح الوحيد للصمود أمام ترسانة مدريد الهجومية. التوقعات كانت تصب في مصلحة الضيوف نظراً للفوارق الفنية والمراكز في جدول الترتيب، حيث يحتل أتلتيكو المركز الثالث، بينما يصارع ليفانتي في المركز التاسع عشر، لكن كرة القدم الإسبانية دائماً ما تخبئ مفاجآتها في مثل هذه المواعيد.
الشوط الأول: صراع بدني وتبديلات اضطرارية
أطلق الحكم فيكتور جارسيا فيردورا صافرة البداية، ومعها بدأت ملامح المباراة تتضح؛ ضغط عالي من أتلتيكو مدريد وتكتل دفاعي منظم من ليفانتي. لم يكد يمر الوقت حتى بدأت البطاقات الملونة في الظهور، حيث نال المدافع كليمنت لينجليت بطاقة صفراء في الدقيقة 21 نتيجة تدخل خشن، مما وضعه تحت ضغط مبكر. المنعطف الأبرز في هذا الشوط جاء في الدقيقة 27، عندما اضطر سيميوني لإجراء تبديل مفاجئ بخروج المهاجم الكسندر سورلوث ودخول "العنكبوت" جوليان ألفاريز، في محاولة لتنشيط الهجوم الذي بدا عاجزاً عن اختراق جدار ليفانتي.
ولم يتأخر رد ليفانتي، ففي الدقيقة 29 غادر ماتياس مورينو أرضية الميدان ليدخل مكانه مانويل سانشيز. استمر اللعب في وسط الميدان بكرات مقطوعة وحذر مبالغ فيه، حيث بلغت نسبة تمريرات أتلتيكو الناجحة 85%، لكنها كانت تفتقد للمسة الأخيرة الحاسمة. لينتهي الشوط الأول وسط صافرات الجماهير التي استمتعت بالندية البدنية لكنها كانت تمني النفس بهز الشباك.
الشوط الثاني: شطرنج المدربين على العشب الأخضر
مع بداية الفصل الثاني، أجرى سيميوني تغييراً تكتيكياً بسحب كليمنت لينجليت، خوفاً من تلقيه بطاقة حمراء، ليدفع بـ دافيد هانكو في الدقيقة 46. ثم توالت التغييرات المدريدية بدخول القائد كوكي بدلاً من بابلو باريوس في الدقيقة 49. كانت المباراة تتحول تدريجياً إلى مواجهة "شطرنج"؛ ليفانتي يغلق المساحات ببراعة، وأتلتيكو يرمي بكل ثقله الهجومي.
في الدقيقة 58، اشتعلت المدرجات بعد حصول بابلو مارتينيز لاعب ليفانتي على بطاقة صفراء، وفي نفس اللحظة أجرى سيميوني تبديلاً مزدوجاً بدخول مارك بوبيل وأليخاندرو باينا بدلاً من تياجو ألمادا وماركوس يورينتي في الدقيقتين 58 و59 على التوالي. لويس كاسترو رد فوراً بإقحام ايتا ايونج بدلاً من إيكر لوسادا للحفاظ على توازن فريقه. ورغم محاولات أتلتيكو التي بلغت 9 تسديدات منها 3 فقط بين القائمين والعارضة، إلا أن حارس ليفانتي ومن أمامه الدفاع كانوا كالسد المنيع.
الأنفاس الأخيرة: استبسال "الضفادع" أمام طوفان "الأتلتي"
دخلت المباراة ثلثها الأخير والتوتر يسيطر على كل زاوية في الملعب. في الدقيقة 73، غادر نيكولاس جونزاليز ليدخل الشاب جانو مونسيراتي في آخر أوراق سيميوني الهجومية. ليفانتي من جانبه، أجرى تبديلات دفاعية بحتة في الدقيقة 75 بدخول جون اولا جاستي وبوكو كورتيس بدلاً من كارلوس ألفاريز وكريم توندي. الدقائق العشر الأخيرة كانت عبارة عن حصار مدريدي كامل؛ حيث حصل أتلتيكو على 7 ركالات ركنية طوال اللقاء، لكن دون جدوى.
في الدقيقة 84، نال أدريان دي لا فوينتي بطاقة صفراء نتيجة تعطيله لهجمة مرتدة، قبل أن ينهي كاسترو تبديلاته بدخول تاي عابد كاسوس بدلاً من إيفان روميرو في الدقيقة 89. وفي الوقت بدل الضائع، وتحديداً في الدقيقة 92، حصل جون اولا جاستي على بطاقة صفراء، لتنتهي المباراة بصمود بطولي لأصحاب الأرض الذين سددوا 10 كرات على مرمى الضيوف، مؤكدين أنهم لم يكونوا لقمة سائغة.
تحليل فني: كيف ضاعت النقاط الثلاث؟
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن أتلتيكو مدريد سيطر على الكرة بنسبة 53% وقام بـ 462 تمريرة، لكن هذه السيطرة كانت "سلبية" في أغلب فتراتها بسبب التنظيم الدفاعي المحكم لليفانتي. تبديلات سيميوني كانت تهدف لزيادة السرعة في الأطراف، لكن مارك بوبيل وأليخاندرو باينا وجدا جداراً دفاعياً صلباً. في المقابل، نجح ليفانتي في امتصاص حماس الضيوف، واعتمد على الكرات الطويلة والعرضيات التي بلغ عددها 7 عرضيات، مهدداً مرمى الأتلتي في أكثر من مناسبة عبر الهجمات المرتدة السريعة.
الخاتمة: نقطة بطعم الفوز وأخرى بطعم الخسارة
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، كانت ملامح الإحباط واضحة على وجه سيميوني ولاعبيه؛ فهذا التعادل رفع رصيدهم إلى 46 نقطة لكنه أبعدهم خطوة إضافية عن صراع القمة. أما في معسكر ليفانتي، فقد كان التعادل بمثابة انتصار معنوي كبير، حيث رفع رصيدهم إلى 19 نقطة، وهو ما يعطي الفريق دفعة قوية في صراع البقاء. لقد أثبت ليفانتي في هذه الليلة أن العزيمة والروح القتالية قادرة على إيقاف أقوى الخطوط الهجومية، ليبقى ملعب سيوتات دي فالنسيا شاهداً على واحدة من أكثر المباريات انضباطاً تكتيكياً في هذا الموسم.

