ريمونتادا باسيكية في قلب "تارتيري": أتلتيك بيلباو يقلب الطاولة على ريال اوفييدو
تحت أضواء ستاد كارلوس تارتيري التاريخي، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة، استطاع نادي أتلتيك بيلباو أن يبرهن على شخصيته القوية وروح "الأسود" التي لا تقهر، محققاً عودة مثيرة أمام مضيفه ريال اوفييدو بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد. كانت المباراة أكثر من مجرد ثلاث نقاط في مشوار الدوري الإسباني؛ بل كانت صراعاً تكتيكياً محتدماً بين طموح جييرمو ألمادا، مدرب اوفييدو، وخبرة ارنيستو فالفيردي، ربان سفينة بيلباو، في مواجهة أدراها باقتدار الحكم ماتيو بوسكيتس فيرير.
بداية هادرة وصدمة لأصحاب الأرض
دخل ريال اوفييدو اللقاء وهو يدرك أن موقفه في جدول الترتيب لا يحتمل أي تعثر جديد، فبدأ المباراة بضغط عالٍ مدعوماً بزئير جماهيره التي ملأت جنبات الملعب. لم تكن الدقائق الأولى مجرد جس نبض، بل كانت معركة بدنية طاحنة في وسط الميدان، تجلت في التدخلات القوية التي أجبرت الحكم على إشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب بيلباو ريوز دي جاليريتا في الدقيقة 26. هذا التوتر كان بمثابة الوقود الذي أشعل حماس أصحاب الأرض، وفي الدقيقة 30، ومن هجمة مرسومة بدقة، أرسل فيديريكو فيناس تمريرة حاسمة وضعت زميله إلياس شايرا في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك، معلنة تقدم اوفييدو بالهدف الأول. اشتعلت المدرجات فرحاً، وبدا أن ريال اوفييدو في طريقه لتحقيق مفاجأة مدوية، خاصة مع تراجع بيلباو النسبي الذي عانى من خشونة لاعبي الخصم، حيث تلقى سانتياجو كولومباتو إنذاراً في الدقيقة 39 لتعطيل اللعب.
فالفيردي يقلب الطاولة بتغييرات تكتيكية
مع انطلاق الشوط الثاني، أظهر ارنيستو فالفيردي حنكته المعهودة، حيث لم ينتظر طويلاً لإجراء التغييرات. سحب نيكو سيرانو ودفع بـ روبرت نافارو لإنعاش الجبهة الهجومية. بيلباو بدأ يفرض إيقاعه، وأصبحت هجماته أكثر خطورة وتنظيماً. وفي الدقيقة 58، ومن عمل جماعي رائع، استغل مايكل جاوريجزار تمريرة متقنة من الظهير الخبير يوري بيرشتش، ليسكن الكرة في الشباك مدركاً هدف التعادل. لم تدم فرحة جاوريجزار طويلاً في الملعب، إذ قرر مدربه استبداله فوراً في الدقيقة 61 باللاعب اليخاندرو ريجو، في خطوة بدت تكتيكية للحفاظ على التوازن الدفاعي ومنع اوفييدو من الرد السريع.
شعر ألمادا بالخطر، فقام بسلسلة تبديلات في الدقيقة 65، كان أبرزها دخول الأسطورة الحية سانتي كازورلا ونيكولاس فونسيكا، على أمل استعادة السيطرة على وسط الملعب. لكن بيلباو كان قد أحكم قبضته على مجريات اللعب، وزاد التوتر في صفوف لاعبي اوفييدو، وهو ما انعكس على شكل بطاقة صفراء تلقاها البديل تياجو بورباس في الدقيقة 70 بعد تدخل متهور داخل منطقة الجزاء.
نقطة التحول ولحظة الحسم
في الدقيقة 71، جاءت اللحظة التي غيرت مسار المباراة تماماً. ركلة جزاء احتسبها الحكم بوسكيتس فيرير لصالح الضيوف، انبرى لها النجم اويهان سانكيت بكل هدوء وثقة، واضعاً الكرة في المرمى ليمنح التقدم لأتلتيك بيلباو. هذا الهدف نزل كالصاعقة على لاعبي ريال اوفييدو الذين حاولوا بكل قوتهم العودة في النتيجة، لكن دفاع بيلباو كان سداً منيعاً. زادت البطاقات الملونة مع اقتراب النهاية، حيث نال جوركا جوروزيتا واليخاندرو ريجو إنذارات نتيجة القتال على كل كرة وتأمين النتيجة.
في الدقائق العشر الأخيرة، رمى ألمادا بكل أوراقه، فدفع بـ أليكس فوريس ولوكاس اهيجادو، لكن التكتل الدفاعي المنظم لرفاق فالفيردي حال دون وصولهم للمرمى. وفي الدقيقة 90، قرر فالفيردي استهلاك الوقت وتأمين الدفاع بخروج صاحب هدف الفوز سانكيت ودخول أوناي جوميز، لتنتهي المباراة بصافرة الحكم معلنة فوزاً ثميناً وشاقاً لأبناء إقليم الباسك.
ما بعد الملحمة: دروس وتداعيات
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن المباراة كانت متكافئة في الاستحواذ، لكن الفاعلية الهجومية والقدرة على استغلال الأخطاء مالت بوضوح لصالح بيلباو. التبديلات كانت هي كلمة السر في هذا اللقاء؛ فبينما حاول اوفييدو الاعتماد على الخبرة بدخول كازورلا، نجح بيلباو في ضخ دماء شابة حافظت على رتم المباراة العالي. البطاقات الصفراء الخمس التي شهدها اللقاء (3 لبيلباو و2 لاوفييدو) تعكس حجم الندية والصراع البدني الذي شهده الملعب.
بهذه النتيجة، يرفع أتلتيك بيلباو رصيده إلى 31 نقطة مستقراً في المركز التاسع، ومقترباً أكثر من مراكز التأهل الأوروبي، بينما تأزمت وضعية ريال اوفييدو الذي تجمد رصيده عند 16 نقطة في المركز العشرين والأخير. هذه الخسارة تضع ضغوطاً هائلة على المدرب جييرمو ألمادا، الذي سيتحتم عليه إيجاد حلول سريعة لإنقاذ الفريق من شبح الهبوط، بينما يغادر بيلباو "تارتيري" وهو يحمل معه ثلاث نقاط ذهبية أكدت أن "الأسود" لا تستسلم أبداً مهما كانت الظروف.

