إعصار كاتالوني في مونتيليفي: جيرونا يروض أسود الباسك بثلاثية بيضاء
تحت أشعة الشمس الدافئة التي غمرت جنبات ملعب مونتيليفي، وفي ظهيرة كروية من ظهيرات الدوري الإسباني الساحرة، كان الموعد مع ملحمة تكتيكية جمعت بين طموح جيرونا وعراقة أتلتيك بيلباو. لم تكن مجرد مباراة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً على الهوية والكبرياء بين مدرستين يقودهما عقلان مدبران هما ميشيل وارنيستو فالفيردي. ومع إطلاق الحكم لوسو جاليش أبيزتجويا صافرة البداية، حبست الجماهير الكاتالونية أنفاسها، وهي لا تعلم أن فريقها بصدد كتابة سطر جديد من سطور التألق، لينتهي اللقاء بفوز عريض ومستحق لجيرونا بثلاثة أهداف نظيفة، في مباراة كانت دروساً في الفعالية والذكاء الميداني.
بداية صاعقة تزلزل أركان الباسك
لم يمهل أصحاب الأرض ضيوفهم وقتاً طويلاً لترتيب الأوراق أو قراءة الملعب؛ فمع حلول الدقيقة الرابعة فقط، اشتعلت المدرجات بهتافات مدوية حين نجح هوغو رينكون في هز الشباك مبكراً. كان الهدف بمثابة صفعة قوية لخطط فالفيردي، حيث استغل رينكون هفوة دفاعية ليضع جيرونا في المقدمة. هذا الهدف المبكر لم يغير النتيجة فحسب، بل منح لاعبي ميشيل ثقة مطلقة في السيطرة على إيقاع اللعب، بينما بدا الارتباك واضحاً على ملامح لاعبي بيلباو الذين حاولوا العودة سريعاً، لكنهم اصطدموا بتنظيم دفاعي حديدي من جيرونا.
الشوط الأول شهد محاولات بائسة من "أسود الباسك" لكسر الحصار، حيث اعتمدوا على الكرات العرضية التي وصلت إلى 31 عرضية طوال المباراة، لكن دون جدوى حقيقية. وبالرغم من أن الإحصائيات كانت تشير إلى تفوق طفيف لبيلباو في الاستحواذ بنسبة وصلت إلى 52%، إلا أن خطورة جيرونا في المرتدات كانت هي السمة الأبرز، لينتهي الفصل الأول من الرواية بتقدم الكاتالونيين بهدف نظيف، وسط ترقب لما سيحمله الشوط الثاني من إثارة.
مناورات تكتيكية وصمود دفاعي
مع بداية الشوط الثاني، أدرك فالفيردي أن فريقه بحاجة إلى دماء جديدة، فقام بإجراء تبديلين دفعة واحدة بخروج روبرت نافارو وأندوني جرورسبيل، ودخول جوركا جوروزيتا وخيسوس أريسو. هذا التغيير أعطى بيلباو قوة هجومية أكبر، حيث ضغطوا بكل ثقلهم وأمطروا مرمى جيرونا بـ 19 تسديدة إجمالية، منها 8 تسديدات بين القائمين والعارضة. إلا أن براعة حارس جيرونا ويقظة مدافعيه جعلت كل تلك المحاولات تتكسر على صخرة الصمود الكاتالوني.
في المقابل، كان ميشيل يراقب المباراة بهدوء، ينتظر اللحظة المناسبة ليوجه ضربته القاضية. وفي الدقيقة 70، قرر مدرب جيرونا ضخ دماء جديدة بإقحام الموهوب كلاوديو إيتشيفيريا وإيفان مارتن بدلاً من فلاديسلاف فانات وفران بيلتران. كانت هذه التبديلات هي نقطة التحول الحقيقية في المباراة، حيث تحرك إيتشيفيريا كالنحلة في أرجاء الملعب، مسبباً صداعاً مزمناً لدفاعات بيلباو التي بدأت تفقد أعصابها، وهو ما تجلى في البطاقة الصفراء التي نالها اويهان سانكيت في الدقيقة 73 قبل أن يتم استبداله مباشرة.
عز الدين أوناحي.. سحر المغرب يغزو مونتيليفي
بينما كان بيلباو يندفع للأمام بحثاً عن التعادل، جاء العقاب سريعاً وقاسياً. في الدقيقة 77، ومن جملة تكتيكية رائعة، مرر البديل الناجح كلاوديو إيتشيفيريا كرة متقنة إلى النجم المغربي عز الدين أوناحي، الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك ببراعة فائقة، معلناً عن الهدف الثاني لجيرونا. هذا الهدف قتل معنويات لاعبي الباسك تماماً، وبدأت ملامح الإحباط تظهر على وجوههم، مما أدى لتوتر الأجواء وحصول اليكس بيرنجوير على بطاقة صفراء في الدقيقة 82.
استمر ميشيل في تدبير المباراة بذكاء، حيث أخرج أوناحي تحت تصفيقات الجماهير في الدقيقة 83 ليحل مكانه أبل رويز، كما أدخل أليكس مورينو بدلاً من جويل روكا لتأمين المناطق الدفاعية. ورغم محاولات بيلباو الخجولة عبر البديل أوركو إيزيتا الذي حل مكان النجم إينياكي ويليامز، إلا أن المباراة كانت قد سلكت طريقاً واحداً نحو فوز أصحاب الأرض.
رصاصة الرحمة وإبداع إيتشيفيريا
أبى القدر أن تنتهي المباراة دون أن يضع الشاب كلاوديو إيتشيفيريا بصمته الخاصة، فبعد أن صنع الهدف الثاني، قرر أن يكون هو بطل المشهد الختامي. وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع (90+2)، استلم إيتشيفيريا تمريرة حاسمة من فيكتور تسيجانكوف، ليطلق رصاصة الرحمة في شباك بيلباو، مسجلاً الهدف الثالث وسط فرحة جنونية هزت أركان ملعب مونتيليفي.
بهذا الهدف، أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً عن انتصار تاريخي لجيرونا بثلاثية نظيفة. كانت مباراة للإحصائيات المتناقضة؛ فبينما تفوق بيلباو في عدد الركنيات (9 مقابل 2) وفي عدد التمريرات (508 تمريرة بدقة 88%)، كان جيرونا هو الأكثر فتكاً ونجاعة أمام المرمى بـ 5 تسديدات فقط على المرمى سجل منها ثلاثة أهداف، محققاً نسبة نجاح مذهلة تعكس قيمة العمل التكتيكي الذي يقوم به ميشيل.
خاتمة: جيرونا يواصل الحلم
بهذا الفوز العريض، رفع جيرونا رصيده إلى 34 نقطة، ليقفز إلى المركز الثاني عشر، مقلصاً الفارق مع منافسه أتلتيك بيلباو الذي تجمد رصيده عند 35 نقطة في المركز العاشر. هذه النتيجة ليست مجرد ثلاث نقاط، بل هي رسالة قوية لكل فرق "الليغا" بأن جيرونا في ملعبه وبين جماهيره هو خصم لا يستهان به، قادر على ترويض الكبار وقلب التوقعات. أما بيلباو، فعليه مراجعة أوراقه الدفاعية والبحث عن حلول لغياب الفعالية الهجومية رغم السيطرة الميدانية، في ليلة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق النادي الكاتالوني الطامح لمزيد من الإنجازات.

