زئير الروخيبلانكوس: مولينا يحسم ديربي "الميتروبوليتانو" في ليلة الصمود
تحت سماء مدريد التي تلبدت بغيوم الترقب، وفي قلب "ملعب سيفيتاس ميتروبوليتانو" الذي اهتزت أركانه بهتافات الآلاف، لم تكن مواجهة أتلتيكو مدريد وجاره خيتافي مجرد مباراة في الدوري الإسباني، بل كانت فصلاً جديداً من فصول الصراع التكتيكي والبدني. في هذه الأمسية، نجح "الأتليتي" في انتزاع فوز ثمين بهدف نظيف، في لقاء شهد تقلبات درامية، وبطاقات ملونة، وصراعاً مريراً على كل شبر من العشب الأخضر، ليؤكد رجال دييجو سيميوني أن فلسفة "المعاناة من أجل الانتصار" لا تزال هي المحرك الأساسي لهذا الكيان العريق.
أجواء ما قبل العاصفة: صدام الهوية
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم ميجيل أنخيل أورتيز ارياس، كانت الأجواء تشير إلى معركة كسر عظم. أتلتيكو مدريد، الساعي لترسيخ أقدامه في المركز الثالث، واجه خيتافي العنيد بقيادة خوسيه بوردالاس، الذي يتقن فن إغلاق المساحات وإزعاج الكبار. كانت التوقعات تشير إلى مباراة مغلقة، لكن الحماس الجماهيري في المدرجات الحمراء والبيضاء كان يغلي، وكأن الجميع يعلم أن اللحظات الأولى ستكون حاسمة في رسم ملامح هذا الديربي المصغر.
الشوط الأول: صاعقة مولينا المبكرة
لم يمهل أتلتيكو مدريد ضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ فمع حلول الدقيقة الثامنة، انفجرت الفرحة في جنبات الملعب. بهجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، استطاع الظهير الأرجنتيني ناهويل مولينا أن يكسر التكتل الدفاعي لخيتافي، مسجلاً هدف التقدم الذي أربك حسابات بوردالاس مبكراً. كان الهدف بمثابة إعلان سيطرة، حيث فرض الأتليتي إيقاعه، معتمداً على تحركات أليخاندرو باينا وتياجو ألمادا في صناعة اللعب، بينما حاول خيتافي التماسك وامتصاص الصدمة، لينتهي الشوط الأول بتقدم أصحاب الأرض وسط سيطرة ميدانية واضحة.
الشوط الثاني: منعرج البطاقة الحمراء
دخل خيتافي الشوط الثاني برغبة واضحة في التعديل، وأجرى بوردالاس تبديلاً مبكراً بخروج كيكو فيمينيا ودخول فيلجكو بيرمانسيفيتش لتنشيط الهجوم. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الضيوف؛ ففي الدقيقة 55، اشتعلت المباراة إثارةً حين أشهر الحكم بطاقة صفراء في وجه مهاجم الأتليتي الكسندر سورلوث، لكن الضربة الموجعة كانت من نصيب خيتافي الذي فقد مدافعه عبد الكبير ابكار بالبطاقة الحمراء مباشرة. هذا الطرد أجبر خيتافي على إكمال المباراة بعشرة لاعبين، مما جعل مهمتهم في العودة تبدو كمن يتسلق جبالاً شاهقة بلا معدات.
استمر الضغط النفسي والبدني، وحصل زايد روميرو من خيتافي على بطاقة صفراء في الدقيقة 60، تلاه أوبيد فارغاس من جانب أتلتيكو في الدقيقة 68. ورغم النقص العددي، لم يستسلم خيتافي تماماً، بل حاول الصمود أمام طوفان التبديلات التي أجراها سيميوني لتعزيز هجومه وتأمين النتيجة.
دكة البدلاء: شطرنج سيميوني وبوردالاس
في الدقيقة 66، قرر "التشولو" سيميوني ضخ دماء جديدة في عروق فريقه، فأجرى تبديلاً ثلاثياً بدخول جوليان ألفاريز، جوليانو سيميوني، وأديمولا لوكمان، بدلاً من مارك بوبيل، سورلوث، وتياجو ألمادا. كانت هذه التبديلات تهدف لقتل المباراة بالهدف الثاني، بينما كان بوردالاس يحاول ترميم صفوفه بتبديلات دفاعية واضحة. وفي الدقيقة 73، دفع سيميوني بورقته الرابحة أنطوان غريزمان وماركوس يورينتي، ليحكم سيطرته التامة على وسط الميدان.
خيتافي من جانبه حاول الرد بإقحام أدريان ليسو وماريو مارتن، لكن التوتر ظل سيد الموقف، حيث نال أدريان ليسو بطاقة صفراء فور دخوله تقريباً في الدقيقة 77. الدقائق الأخيرة شهدت محاولات يائسة من خيتافي عبر كرات طولية، يقابلها انضباط تكتيكي صارم من دفاع الأتليتي وحارس مرماه، لتمر الدقائق الثقيلة على الضيوف كأنها دهر، وسط تراجع بدني واضح أثمر عنه تبديلات متأخرة بدخول دييجو ريكو وخافيير مونوز في محاولة أخيرة لم تثمر عن تغيير في النتيجة.
التحليل الفني: كيف صمد الحصن؟
تميزت المباراة بسيطرة أتلتيكو مدريد على الكرة بنسبة كبيرة، مستفيداً من الهدف المبكر الذي منحه الأريحية. تأثير الطرد كان حاسماً؛ حيث منع خيتافي من المجازفة الهجومية الكاملة خوفاً من تلقي هدف ثانٍ ينهي الآمال. سيميوني أدار المباراة بعقلية "النتائج أولاً"، حيث لم يندفع للهجوم الكاسح بعد الطرد، بل فضل تدوير الكرة واستنزاف طاقة الخصم. في المقابل، يُحسب لخيتافي انضباطه الدفاعي رغم النقص، حيث منعوا نجوم مثل غريزمان وألفاريز من هز الشباك في الدقائق الأخيرة.
الخاتمة: خطوة عملاقة نحو القمة
مع إطلاق الحكم صافرة النهاية بعد أكثر من 100 دقيقة من اللعب والتوتر، تنفس عشاق الروخيبلانكوس الصعداء. هذا الفوز رفع رصيد أتلتيكو مدريد إلى 57 نقطة، معززاً مكانه في المركز الثالث ومقترباً أكثر من ضمان مقعد مؤهل لدوري أبطال أوروبا، ومواصلاً سلسلة نتائجه الإيجابية بـ 17 انتصاراً في الموسم. أما خيتافي، فقد تجمد رصيده عند 35 نقطة في المركز التاسع، لكنه غادر الملعب مرفوع الرأس بعد أداء بطولي بعشرة لاعبين. لقد كانت ليلة في "الميتروبوليتانو" أثبتت مرة أخرى أن الدوري الإسباني لا يعترف بالسهولة، وأن كل نقطة تُنتزع فيه هي بمثابة معركة حربية تتطلب الكثير من العرق والدموع.

