جنون في "فاييكاس": ريمونتادا قاتلة في الثواني الأخيرة تفرض التعادل بين رايو فايكانو وريال سوسيداد
في ليلة لم تكن تشبه غيرها من ليالي الدوري الإسباني، وتحت أضواء ملعب دي فايكاس التاريخي، عاش عشاق كرة القدم ملحمة كروية ستبقى محفورة في ذاكرة الليجا طويلاً. لم تكن مجرد مباراة بين رايو فايكانو وضيفه ريال سوسيداد، بل كانت صراعاً درامياً تقلب فيه المصير مراراً، وانتهى بتعادل مثير بنتيجة 3-3، في مواجهة شهدت كل فنون الإثارة من أهداف ملغاة، وركلات جزاء، وريمونتادا في الرمق الأخير جعلت الصمت يسود تارة والانفجار الجماهيري يدوي تارة أخرى.
أجواء مشحونة وترقب في معقل "البرق"
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم خوسيه لويس، كانت الأجواء في ضواحي مدريد تنبئ بمواجهة استثنائية. إينيجو بيريز، مدرب رايو فايكانو، دخل اللقاء وهو يدرك أن فريقه الذي يحتل المركز الحادي عشر برصيد 39 نقطة يحتاج لدفعة معنوية أمام جماهيره. في المقابل، وصل بيليجرينو ماتارازو مع فريقه ريال سوسيداد، صاحب المركز الثامن بـ 43 نقطة، طامحاً في حصد النقاط الثلاث لتعزيز موقفه في جدول الترتيب. الملعب الصغير بمساحته والكبير بصخبه كان مهيأً تماماً لاستقبال هذه المعركة التكتيكية.
الشوط الأول: صراع المبادرة وتقلبات الـ VAR
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، حيث تبادل الفريقان السيطرة في وسط الميدان، لكن الضيوف كانوا السباقين لهز الشباك. في الدقيقة 22، ومن هجمة منظمة، أرسل اندير بارينتكسيا تمريرة حاسمة وضعت القائد ميكيل ايارزابال في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير ببراعة في الشباك معلناً تقدم "الباسكيين". لم يكد الضيوف ينهون احتفالاتهم حتى ظن أصحاب الأرض أنهم أدركوا التعادل في الدقيقة 23 عبر كارلوس مارتين بعد تمريرة من أندري راتيو، لكن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف بداعي وجود مخالفة، مما أشعل غضب المدرجات.
التوتر بدأ يتصاعد، ونال إيزي بالزون بطاقة صفراء في الدقيقة 29 نتيجة التدخلات القوية. إلا أن الإصرار المدريدي آتى ثماره سريعاً؛ ففي الدقيقة 30، استغل سيرجيو كاميلو تمريرة متقنة من الموهوب إلياس أخوماش ليسكن الكرة الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. وقبيل نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة 45+1، تلقى سيرخيو غوميز بطاقة صفراء من جانب سوسيداد، لينتهي النصف الأول بصراع بدني وفني كبير.
الشوط الثاني: إعصار سوسيداد وصمود الفايكانو
دخل ريال سوسيداد الشوط الثاني بضغط هجومي مكثف، وتلقى باتي سيس بطاقة صفراء مبكرة في الدقيقة 49. مدرب سوسيداد أجرى تبديلات هامة في الدقيقة 56 بدخول بابلو مارين ولوكا سوتشيتش بدلاً من كوبو وبارينتكسيا لتنشيط الهجوم. وفي الدقيقة 63، نجح البديل أوري أوسكارسون في تسجيل الهدف الثاني لسوسيداد بعد تمريرة حاسمة من سيرخيو غوميز، ليضع الضيوف في المقدمة مرة أخرى.
رد فعل إينيجو بيريز كان سريعاً بإجراء أربعة تبديلات دفعة واحدة في الدقيقة 64، بدخول أليماو وخورخي دي فروتوس وبيدرو دياز، في محاولة لإنقاذ الموقف. وفي الدقيقة 69، تكرر سيناريو الدراما بإلغاء هدف ثانٍ لرايو فايكانو سجله بيدرو دياز بقرار من الـ VAR. وبينما كان رايو يندفع للهجوم، حصل سوسيداد على ركلة جزاء في الدقيقة 76، انبرى لها المتخصص ميكيل ايارزابال ليودعها المرمى بنجاح، مسجلاً هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه، لتصبح النتيجة 3-1 ويظن الجميع أن المباراة قد حسمت.
الريمونتادا المستحيلة: جنون الدقائق الأخيرة
لم يستسلم لاعبو رايو فايكانو رغم تأخرهم بفارق هدفين قبل عشر دقائق من النهاية. في الدقيقة 84، ارتقى المدافع فلوريان ليجون فوق الجميع ليحول عرضية إلياس أخوماش (صاحب التمريرة الحاسمة الثانية) إلى داخل الشباك، مقلصاً الفارق إلى 3-2. اشتعل الملعب وبدأ الضغط الجماهيري يلقي بظلاله على لاعبي سوسيداد الذين تراجعوا للدفاع.
احتسب الحكم وقتاً بدلاً من ضائع طويلاً شهد توتراً كبيراً، حيث نال كارلوس سولير وفلوريان ليجون بطاقات صفراء في الدقيقة 90+7 نتيجة الاشتباكات البدنية. وفي اللحظة التي استعد فيها الحكم لإنهاء اللقاء، وتحديداً في الدقيقة 90+9، حدث ما لم يتوقعه أحد؛ تمريرة سحرية من بيدرو دياز وصلت إلى المهاجم أليماو الذي لم يتوانَ عن وضعها في المرمى، مفجراً بركاناً من الفرح في مدرجات "فاييكاس". المهاجم البرازيلي من شدة حماسه نال بطاقة صفراء في الدقيقة 90+10 أثناء الاحتفال بالهدف القاتل الذي فرض التعادل 3-3.
تحليل فني: كيف تغير مجرى اللقاء؟
كانت التبديلات هي كلمة السر في هذه المباراة. إينيجو بيريز نجح في قراءة الملعب بامتياز عندما دفع بـ بيدرو دياز وأليماو، حيث صنع الأول الهدف الأخير وسجله الثاني. كما كان إلياس أخوماش المحرك الرئيسي لهجمات رايو بصناعته لهدفين. في المقابل، عانى ريال سوسيداد من تراجع بدني واضح في الدقائق العشر الأخيرة، وفشل بيليجرينو ماتارازو في إغلاق المساحات رغم تقدمه بفارق هدفين، مما كلفه نقطتين ثمينتين في سباق المراكز الأوروبية.
الخاتمة: نقطة بطعم الفوز وانكسار باسل
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، سقط لاعبو ريال سوسيداد على الأرض من الصدمة، بينما احتفل لاعبو رايو فايكانو مع جماهيرهم وكأنهم حققوا لقباً. هذا التعادل رفع رصيد رايو إلى 40 نقطة، مؤكداً شخصية الفريق القوية التي لا تعرف اليأس، بينما وصل رصيد سوسيداد إلى 44 نقطة. لقد كانت ليلة كروية جسدت روعة الدوري الإسباني، حيث أثبتت أن المباراة لا تنتهي إلا بصافرة الحكم، وأن الروح القتالية قادرة على قهر الفوارق الفنية والنتائج الثقيلة.

