ريمونتادا "الميتروبوليتانو": سورلوث يخطب ود الشباك في ليلة درامية بين أتلتيكو مدريد وبيلباو
تحت أضواء ملعب "سيفيتاس ميتروبوليتانو" الكاشفة، وفي ليلة ربيعية من ليالي الدوري الإسباني التي لا تعترف بالمنطق، عاش عشاق كرة القدم فصلاً جديداً من فصول الإثارة الخام. لم تكن مواجهة أتلتيكو مدريد وضيفه أتلتيك بيلباو مجرد مباراة في جدول الترتيب، بل كانت معركة تكتيكية ونفسية طغى عليها صخب الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف لكتيبة المدرب "دييجو سيميوني". انتهت الموقعة بفوز درامي لأصحاب الأرض بنتيجة 3-2، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة هذا الموسم بفضل تقلباتها التي حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة.
أجواء مشحونة وبداية غير متوقعة
دخل الفريقان أرضية الملعب وعين كل منهما على النقاط الثلاث لتعزيز موقعه في المربع الذهبي. "سيميوني" بملامحه الصارمة المعتادة، و"ارنيستو فالفيردي" بهدوئه المعهود، رسم كل منهما سيناريو مختلفاً للمباراة. ومع إطلاق الحكم خيسوس خيل مانزانو صافرة البداية، بدت الأجواء مشحونة للغاية، وزاد من غرابة البداية قرار فني مبكر جداً في الدقيقة الثالثة، حيث غادر النجم أنطوان غريزمان أرض الملعب ليحل مكانه نيكولاس جونزاليز، في تبديل أثار دهشة المتابعين وخلط أوراق التوقعات منذ اللحظات الأولى.
لم يمهل "أسود الباسك" أصحاب الأرض وقتاً لترتيب صفوفهم بعد هذا التغيير المفاجئ. وفي الدقيقة 23، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، أرسل ريوز دي جاليريتا تمريرة حاسمة وضعت المدافع ايتور باريديس في موقف نموذجي للتسجيل، فلم يتوانَ الأخير عن إسكان الكرة الشباك، معلناً تقدم الضيوف وسط صمت مؤقت خيم على مدرجات "الميتروبوليتانو". انتهى الشوط الأول بتقدم بيلباو، وسط محاولات خجولة من "الأتليتي" للعودة، وإحصائيات تشير إلى تفوق طفيف للضيوف في عدد المحاولات على المرمى.
انتفاضة "الروخي بلانكوس" وإعصار سورلوث
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل أتلتيكو مدريد بروح مغايرة تماماً، وكأن "سيميوني" قد ألقى خطاباً حماسياً في غرف الملابس أعاد شحن طاقات لاعبيه. وفي الدقيقة 49، وبطريقة سينمائية، عاد أنطوان غريزمان ليضع بصمته الذهبية مسجلاً هدف التعادل، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويلهب حماس الجماهير التي زأرت بصوت واحد. لم يكد بيلباو يستفيق من صدمة التعادل، حتى جاء الإعصار النرويجي الكسندر سورلوث في الدقيقة 54، مستغلاً تمريرة سحرية من أليخاندرو باينا، ليقلب الطاولة ويمنح التقدم لأتلتيكو مدريد بنتيجة 2-1.
شعر "فالفيردي" بخطر ضياع المباراة، فأجرى سلسلة من التبديلات في الدقيقة 63 و70، شملت دخول اويهان سانكيت واليكس بيرنجوير وميكيل فيسجا، في محاولة لاستعادة السيطرة على وسط الملعب. في المقابل، لجأ "سيميوني" إلى تأمين دفاعاته وتنشيط دماء فريقه بإشراك ناهويل مولينا وجوني كاردوسو، ثم دفع بـ روبن نورماند وأوبيد فارغاس في الدقائق العشرين الأخيرة للحفاظ على التقدم الهش.
جنون اللحظات الأخيرة وحسم "النرويجي"
وصلت المباراة إلى ذروة الإثارة مع دخولها الدقائق الإضافية. وفي الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع (90+3)، انطلق ناهويل مولينا في رواق الجانب الأيمن وأرسل عرضية متقنة ارتقى لها القناص الكسندر سورلوث ليودعها في المرمى، مسجلاً هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه. ظن الجميع أن المباراة قد انتهت إكلينيكياً، لكن "بيلباو" رفض الاستسلام بسهولة. وفي الدقيقة السابعة من الوقت الإضافي (90+7)، تمكن جوركا جوروزيتا من تقليص الفارق بعد تمريرة من أليخاندرو مورا، لتشتعل الدقائق الأخيرة بتوتر هائل قبل أن يطلق "مانزانو" صافرة النهاية المعلنة عن فوز شاق ومستحق لأتلتيكو مدريد.
القراءة الفنية وتأثير التكتيك
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن أتلتيكو مدريد كان الأكثر استحواذاً بنسبة 55%، واعتمد على دقة التمرير التي وصلت إلى 86% لكسر تكتلات بيلباو. ورغم أن بيلباو كان الأكثر محاولة على المرمى بـ 11 تسديدة مقابل 5 فقط لأصحاب الأرض، إلا أن فاعلية أتلتيكو كانت مذهلة، حيث تحولت 3 تسديدات من أصل 3 على المرمى إلى أهداف محققة. لعبت التبديلات دوراً محورياً، خاصة دخول "مولينا" الذي صنع هدف الحسم، بينما عانى بيلباو من عدم استغلال الفرص الكثيرة التي أتيحت له رغم تفوقه في الكرات العرضية التي بلغت 24 عرضية.
تميزت المباراة أيضاً بالروح الرياضية العالية، حيث لم يشهر الحكم خيسوس خيل مانزانو أي بطاقة ملونة، سواء صفراء أو حمراء، رغم القوة البدنية والالتحامات القوية التي شهدها اللقاء، وهو أمر نادر في مباريات بهذا الحجم والندية.
الخلاصة: انتصار يرسخ الكبرياء
هذا الفوز رفع رصيد أتلتيكو مدريد إلى 63 نقطة، معززاً مكانه في المركز الرابع ومقترباً من حسم بطاقة التأهل لدوري أبطال أوروبا، بينما تجمد رصيد أتلتيك بيلباو عند 41 نقطة في المركز التاسع. لقد أثبت "الروخي بلانكوس" مرة أخرى أن ملعبهم هو حصنهم المنيع، وأن شخصية الفريق تظهر في أصعب الأوقات. أما سورلوث، فقد نصّب نفسه بطلاً فوق العادة، مؤكداً أنه القطعة الناقصة في هجوم سيميوني التي تصنع الفارق عندما تغيب الحلول الجماعية.

