دراما ريالي أرينا: حينما تبتسم الأقدار لخيتافي وتدير ظهرها لسوسيداد
تحت أضواء ملعب "ريالي أرينا" المتلألئة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات الدوري الإسباني، عاش عشاق الساحرة المستديرة فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. لم تكن مجرد مباراة عادية بين ريال سوسيداد وضيفه خيتافي، بل كانت معركة تكتيكية طغى عليها طابع الحذر تارة والاندفاع اليائس تارة أخرى، وانتهت بانتصار ثمين للضيوف بهدف نظيف، في مباراة سيتذكرها جمهور "الباسك" طويلاً ليس لجماليتها، بل لقسوة تفاصيلها.
بداية عاصفة وفرصة ضائعة للتاريخ
دخل أصحاب الأرض، بقيادة المدرب بيليجرينو ماتارازو، اللقاء وهم يدركون أن الفوز سيعزز من طموحاتهم في حجز مقعد أوروبي، بينما كان خوسيه بوردالاس، مدرب خيتافي، يخطط كعادته لإغلاق المساحات والاعتماد على الكرات المرتدة والصلابة الدفاعية. ومع إطلاق الحكم ماتيو بوسكيتس فيرير صافرة البداية، بدا أن ريال سوسيداد هو الطرف الأكثر رغبة في التسجيل.
في الدقيقة الرابعة عشرة، انفجر الملعب حماساً عندما احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح سوسيداد. تقدم النجم برايس مينديز لتنفيذها، والآمال معلقة عليه لافتتاح التسجيل وإراحة الأعصاب. ساد صمت رهيب أرجاء الملعب، لكن مينديز، وبشكل مفاجئ، أهدر الركلة، لتضيع فرصة ذهبية كانت كفيلة بتغيير مجرى اللقاء تماماً. هذه اللحظة لم تكن مجرد ركلة ضائعة، بل كانت مؤشراً على أن النحس قد بدأ يلقي بظلاله على الفريق الباسكي في هذه الليلة.
النيران الصديقة تمنح خيتافي الأسبقية
بعد ضياع ركلة الجزاء، حاول خيتافي امتصاص حماس لاعبي سوسيداد عبر التدخلات القوية، وهو ما كلف عبد الكبير ابكار بطاقة صفراء في الدقيقة 27. وبينما كان الجميع ينتظر ردة فعل هجومية من أصحاب الأرض، جاءت الصدمة من حيث لا يحتسبون. في الدقيقة 29، وفي محاولة دفاعية غير موفقة، أودع اللاعب جون جوروتكساتيجي الكرة بالخطأ في مرماه، ليمنح خيتافي هدفاً مجانياً أشعل مدرجات الضيوف وأسكت الآلاف من مشجعي سوسيداد.
تزايدت حدة التوتر في الملعب، وبدأ الحكم بوسكيتس فيرير يشهر البطاقات الملونة للسيطرة على الأجواء المشحونة؛ فنال أوري أوسكارسون بطاقة صفراء في الدقيقة 31، تبعه خوان إجليسياس من خيتافي في الدقيقة 37، ثم بابلو مارين من سوسيداد في اللحظات الأخيرة من الشوط الأول. انتهى النصف الأول من المباراة بتقدم خيتافي بهدف "عكسي"، وسط حيرة كبيرة من لاعبي سوسيداد الذين سيطروا ولكنهم عجزوا عن التسجيل في المرمى الصحيح.
شوط المدربين وصراع التبديلات
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك ماتارازو أن عليه التدخل سريعاً، فدفع باللاعب جون ارامبورو بدلاً من أريتز إيلوستوندو في الدقيقة 46 لتنشيط الرواق الأيمن. لم يتوقف الضغط، وفي الدقيقة 56، رمى مدرب سوسيداد بكل ثقله الهجومي، حيث أشرك القائد ميكيل ايارزابال واندير بارينتكسيا بدلاً من برايس مينديز وبابلو مارين، في محاولة يائسة لفك شفرات دفاع خيتافي الحصين.
في المقابل، كان بوردالاس يراقب عقارب الساعة بهدوء، وبدأ في إجراء تبديلات تكتيكية لتعزيز دفاعاته. في الدقيقة 68، وبعد حصول دوجي كاليتا-كار على بطاقة صفراء، أشرك خيتافي خافيير مونوز بدلاً من ماريو مارتن. ومع مرور الوقت، تحولت المباراة إلى حصار كامل لمرمى خيتافي، لكن اللمسة الأخيرة كانت غائبة تماماً عن هجوم سوسيداد الذي بدا تائهاً أمام الجدار الدفاعي الصلب.
صمود خيتافي في الأمتار الأخيرة
دخلت المباراة دقائقها العشر الأخيرة وهي محملة بكل أنواع التوتر. دفع سوسيداد باللاعب ويسلي في الدقيقة 78 كآخر الأوراق الهجومية، بينما رد بوردالاس بتبديلات دفاعية بحتة في الدقيقة 80، حيث أشرك دييجو ريكو وألان نيوم لغلق كل المنافذ المؤدية لمرمى فريقه.
الدقائق المحتسبة بدلاً من الضائع كانت عبارة عن ملحمة بدنية، حيث استبسل لاعبو خيتافي في الدفاع عن هدفهم الوحيد. وفي الدقيقة الثالثة بعد التسعين، نال كل من سيباستيان بوسيلي وألان نيوم بطاقات صفراء نتيجة تعميد إضاعة الوقت والتدخلات القوية، لكن المهمة كانت قد أنجزت بنجاح. أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوز خيتافي بنتيجة 1-0، وسط خيبة أمل مريرة سادت ملعب ريالي أرينا.
تحليل فني: كيف سقط سوسيداد في فخه؟
بالنظر إلى إحصائيات المباراة، نجد أن ريال سوسيداد كان الأكثر استحواذاً ومحاولة على المرمى، لكن النجاعة الهجومية كانت مفقودة تماماً. ركلة الجزاء الضائعة في الدقيقة 14 كانت نقطة التحول النفسي في اللقاء، حيث منحت خيتافي الثقة وجعلت لاعبي سوسيداد يشعرون بالضغط المبكر. التكتيك الذي اتبعه بوردالاس نجح بامتياز؛ فقد اعتمد على تضييق المساحات وارتكاب الأخطاء التكتيكية في مناطق غير مؤثرة، مما أفقد سوسيداد إيقاعه المعتاد.
التبديلات التي أجراها ماتارازو، رغم قوتها بدخول ايارزابال، لم تنجح في اختراق العمق الدفاعي لخيتافي الذي كان منظماً لدرجة كبيرة. في المقابل، كانت تبديلات خيتافي ذكية وتهدف لتأمين النتيجة، وهو ما تحقق بفضل الانضباط العالي للاعبين مثل دييجو ريكو ونيوم في الدقائق الأخيرة.
الخاتمة: قفزة لخيتافي وتراجع لسوسيداد
بهذا الانتصار الثمين خارج القواعد، رفع خيتافي رصيده إلى 44 نقطة، ليقفز إلى المركز السابع في جدول الترتيب، متجاوزاً ريال سوسيداد الذي تجمد رصيده عند 42 نقطة وتراجع إلى المركز الثامن. هذا الفوز يثبت مرة أخرى أن العزيمة والصلابة الدفاعية قد تتفوق أحياناً على الاستحواذ واللعب الجمالي. بالنسبة لسوسيداد، كانت ليلة للنسيان، حيث خسروا ثلاث نقاط ثمينة على أرضهم وبين جماهيرهم في صراع المراكز المؤهلة للبطولات الأوروبية، ليبقى السؤال مطروحاً: هل سيتعلم الفريق من أخطاء هذه الليلة القاسية؟

