تعادل بطعم الإثارة في مونتيليفي: جيرونا وسوسيداد يتقاسمان النقاط والأنفاس
تحت أضواء ملعب مونتيليفي الكاشفة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة، سطر فريقا جيرونا وريال سوسيداد ملحمة كروية انتهت باقتسام النقاط في ليلة تجلت فيها الروح القتالية العالية. لم تكن مجرد مباراة في الدوري الإسباني، بل كانت معركة تكتيكية بين عقلين مفكرين؛ ميشيل مدرب جيرونا، وبيليجرينو ماتارازو مدرب ريال سوسيداد، لتنتهي المواجهة بتعادل إيجابي بهدف لمثله، عكس بوضوح تقلبات المباراة وصراع الإرادات بين الفريقين.
أجواء مشحونة في معقل الكتلان
منذ اللحظات الأولى التي سبقت صافرة الحكم ميجيل سيزما اسبينوزا، كان الضجيج في مدرجات مونتيليفي يوحي بمباراة استثنائية. الجماهير الكتالونية، التي تدرك قيمة كل نقطة في هذا المنعطف من الموسم، ملأت جنبات الملعب بالأهازيج والألوان الحمراء والبيضاء. في المقابل، دخل ريال سوسيداد المباراة بتركيز عالٍ وهدوء الباسك المعهود، ساعياً لامتصاص حماس أصحاب الأرض وفرض إيقاعه الخاص. التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، وهو ما حدث بالفعل فوق العشب الأخضر الذي شهد صراعاً بدنياً وفنياً من أعلى طراز.
بداية باسيكية صاعقة
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول جيرونا السيطرة على منتصف الملعب، لكن ريال سوسيداد كان منظماً بشكل يثير الإعجاب. في الدقيقة 12، بدأت ملامح الخشونة تظهر مع إشهار أول بطاقة صفراء في وجه لاعب سوسيداد اندير بارينتكسيا، مما أنذر بمواجهة بدنية قوية. وبينما كان جيرونا يحاول بناء الهجمات، جاءت الصدمة في الدقيقة 28؛ ومن كرة مرسومة بدقة، أرسل سيرخيو غوميز تمريرة حاسمة وضعت الشاب جون مارتين في موقف مثالي، فلم يتوانَ الأخير عن إسكان الكرة الشباك، معلناً تقدم الضيوف بهدف أول أشعل دكة بدلاء سوسيداد وأسكت مدرجات المونتيليفي مؤقتاً.
لم تدم فرحة سوسيداد الكاملة طويلاً، حيث تلقى الفريق ضربة قوية بخروج صاحب البطاقة الصفراء بارينتكسيا مصاباً في الدقيقة 34، ليحل محله بابلو مارين. هذا التغيير الاضطراري المبكر أجبر ماتارازو على إعادة ترتيب أوراقه، بينما حاول جيرونا استغلال الارتباك المؤقت، لكن الشوط الأول انتهى بتقدم الباسكيين وسط أجواء من التوتر والترقب.
ميشيل يقلب الطاولة تكتيكياً
مع بداية الشوط الثاني، أدرك ميشيل أن فريقه يحتاج إلى "شخصية" هجومية أقوى، فدفع بالأسطورة الحية للنادي كريستيان ستواني بدلاً من بريان جيل. كان دخول ستواني بمثابة حقنة أدرينالين في جسد جيرونا. المباراة زادت اشتعالاً، وبدأ الحكم اسبينوزا يواجه صعوبة في كبح جماح اللاعبين، حيث نال جون ارامبورو بطاقة صفراء في الدقيقة 53 نتيجة تدخل عنيف.
في الدقيقة 57، شهد الملعب "ثورة" من التبديلات من الجانبين؛ حيث سحب ماتارازو نجمه الياباني تاكيفوسا كوبو وجون جوروتكساتيجي، ليدفع بـ جون كاريكابورو وكارلوس سولير. وفي المقابل، قام ميشيل بإخراج أكسيل فيتسل وإيفان مارتن، ليشرك توماس ليمار وفران بيلتران، في محاولة للسيطرة على معركة الوسط.
ستواني: الرمز الذي لا يشيخ
الضغط المتواصل لجيرونا أثمر أخيراً في الدقيقة 66، ومن كرة عرضية متقنة من آرنو مارتينيز، ارتقى كريستيان ستواني فوق الجميع ببراعته المعهودة، موجهاً كرة رأسية قوية عانقت الشباك، ليعلن عن تعادل جيرونا. انفجر الملعب فرحاً، وتحولت الأجواء إلى احتفالية كبرى، حيث أثبت القناص الأوروغوياني أنه لا يزال الرقم الصعب في معادلة الفريق الكتالوني رغم تقدمه في السن.
بعد الهدف، تحولت المباراة إلى سجال بدني عنيف، وتوالت البطاقات الصفراء نتيجة التوتر المتصاعد؛ فنال ميكيل ايارزابال إنذاراً، وتبعه أليخاندرو فرانسيس من جيرونا في الدقيقة 62، ثم سيرخيو غوميز في الدقيقة 73، والشاب جويل روكا في الدقيقة 76. كان واضحاً أن الفريقين يرفضان الخسارة مهما كلف الثمن.
صراع البدلاء ومعركة البطاقات الملونة
في الدقائق العشر الأخيرة، زاد المدربان من وتيرة التغييرات؛ فدفع جيرونا بـ كلاوديو إيتشيفيريا بدلاً من تسيجانكوف في الدقيقة 80، بينما حاول سوسيداد تأمين دفاعاته بإشراك بينات تورينتس وإيجور زوبيلديا في الدقائق الأخيرة. الدقائق الأخيرة كانت "حرب استنزاف" حقيقية، حيث أشهر الحكم بطاقات صفراء متتالية لكل من دوجي كاليتا-كار، وجون كاريكابورو، وأخيراً بينات تورينتس في الدقيقة 90، ليصل إجمالي البطاقات الصفراء في المباراة إلى عدد كبير يعكس مدى حدة التنافس.
ورغم المحاولات اليائسة من جيرونا لخطف هدف الفوز في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، والذي وصل إلى 7 دقائق من الإثارة، صمد دفاع ريال سوسيداد ومن خلفه حارس مرمى يقظ، لتنتهي المباراة بصافرة الحكم معلنة تعادلاً عادلاً يعكس مجريات الأمور.
خاتمة: نقطة للذكرى وصراع مستمر
بهذه النتيجة، رفع جيرونا رصيده إلى 40 نقطة في المركز السادس عشر، وهو تعادل قد يبدو مخيباً للآمال في ملعبه، لكنه أظهر شخصية الفريق القوية وقدرته على العودة بعد التأخر. أما ريال سوسيداد، فقد وصل إلى النقطة 45 في المركز الثامن، مؤكداً أنه فريق يصعب مراسه خارج ملعبه، رغم الغيابات والتبديلات الاضطرارية.
لقد قدم الفريقان وجبة كروية دسمة، امتزجت فيها التكتيكات العالية بالروح القتالية، ليبقى ملعب مونتيليفي شاهداً على واحدة من أكثر مباريات الموسم إثارة وندية، في دوري لا يعترف بالنتائج المسبقة ولا ينحني إلا لمن يقاتل حتى الرمق الأخير.

