لدغة مارتينيز تحسم الموقعة: ديبورتيفو ألافيس يعمق جراح ريال أوفييدو في قلب "تارتيري"
في ليلة حبست فيها الأنفاس بمدينة أوفييدو، وتحت أضواء ستاد كارلوس تارتيري التاريخي، كان الصمت هو سيد الموقف مع صافرة النهاية التي أطلقها الحكم خوسيه لويس مونويرا. لم تكن مجرد مباراة عادية في الدوري الإسباني، بل كانت فصلاً جديداً من فصول الصراع المرير من أجل البقاء للأصحاب الأرض، ورغبة جامحة في تحسين المركز للضيوف. انتهت الموقعة بفوز ثمين للضيوف، ديبورتيفو ألافيس، بهدف وحيد دون رد، ليعودوا إلى ديارهم بثلاث نقاط غالية، تاركين ريال أوفييدو يتجرع مرارة هزيمة قد تكون تكلفتها باهظة جداً في حسابات الهبوط.
هدوء ما قبل العاصفة.. وطموحات متباينة
دخل ريال أوفييدو اللقاء وهو يقبع في المركز العشرين والأخير، مثقلاً بهموم النتائج السلبية وضغوط الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف طوال الدقائق التي سبقت الانطلاق. كان المدرب جييرمو ألمادا يدرك أن الخطأ ممنوع، وأن أي نتيجة غير الفوز قد تعني اقتراب شبح الدرجة الثانية أكثر من أي وقت مضى. في المقابل، وصل كيكي سانشيز فلوريس بكتيبته "ألافيس" وهو يحتل المركز الثالث عشر، باحثاً عن استقرار أكبر في وسط الجدول، ومتسلحاً بتنظيم دفاعي وهجمات مرتدة لطالما كانت سلاحه الفتاك هذا الموسم.
الأجواء في المدرجات كانت مزيجاً من القلق والأمل؛ فجماهير أوفييدو كانت تمني النفس بانتفاضة تعيد الروح للفريق، بينما كانت قلة من جماهير ألافيس الحاضرة تثق في قدرة فريقها على خطف النقاط. ومع إطلاق صافرة البداية، بدأت معركة تكتيكية كبرى فوق العشب الأخضر، حيث حاول ألمادا فرض سيطرته على وسط الملعب، بينما كان كيكي سانشيز يراقب وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
لدغة "مارتينيز" التي أخرست المدرجات
لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم. ففي الدقيقة السابعة عشرة، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، استطاع القناص تونى مارتينيز أن يكسر مصيدة التسلل ويجد نفسه في مواجهة المرمى. بلمسة احترافية وهدوء يحسد عليه، أودع مارتينيز الكرة في الشباك، معلناً عن الهدف الأول لديبورتيفو ألافيس. ساد صمت مطبق في "كارلوس تارتيري"، ولم يقطعه سوى صرخات الفرح من لاعبي ألافيس الذين أدركوا مبكراً أن هذا الهدف قد يكون مفتاح الفوز.
حاول ريال أوفييدو الرد بسرعة، وضغط بكل ثقله نحو مناطق ألافيس، لكن التنظيم الدفاعي للضيوف كان سداً منيعاً. اعتمد أوفييدو على انطلاقات هيثم حسن وتحركات سانتياجو كولومباتو، إلا أن اللمسة الأخيرة كانت غائبة تماماً. ومع مرور الوقت، بدأ التوتر يظهر على أداء لاعبي أصحاب الأرض، مما تسبب في ارتكاب أخطاء في التمرير، لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف بهدف نظيف، وسط حيرة كبيرة من جييرمو ألمادا على خط التماس.
صراع التبديلات واشتعال فتيل التوتر
مع بداية الشوط الثاني، أجرى كلا المدربين تغييرات فورية لضخ دماء جديدة. دفع ألمادا باللاعب تياجو فيرنانديز بدلاً من نيكولاس فونسيكا، بينما استبدل كيكي سانشيز لاعبه عبدي ريباخ بالدولي المغربي الشاب يوسف لخديم. لم تمر سوى دقيقتين على دخوله حتى تلقى تياجو فيرنانديز بطاقة صفراء في الدقيقة 48، في إشارة واضحة إلى أن الشوط الثاني سيكون أكثر خشونة واندفاعاً.
استمر الضغط من جانب أوفييدو، وزاد منسوب الإثارة مع كل كرة تقترب من منطقة جزاء ألافيس. وفي الدقيقة 65، نال المهاجم فيديريكو فيناس بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، مما زاد من صعوبة الموقف على فريقه. حاول ألمادا التدخل مجدداً فأخرج كولومباتو وأشرك إلياس شايرا في الدقيقة 66، ليرد عليه كيكي سانشيز بسلسلة تبديلات دفاعية وهجومية، حيث أشرك ايتور ماناس وبابلو إيبانيز بدلاً من دياباتي ودينيس سواريز في الدقائق 68 و69 على التوالي.
التوتر وصل لدرورته في الدقيقة 71 عندما أشهر الحكم خوسيه لويس مونويرا البطاقة الصفراء في وجه لوكاس اهيجادو لاعب أوفييدو، مما زاد من تشتت تركيز لاعبي الفريق المضيف الذين بدوا وكأنهم يركضون ضد الزمن وضد أنفسهم.
الدقائق الأخيرة.. استبسال دفاعي وانهيار هجومي
في الربع ساعة الأخير، رمى ريال أوفييدو بكل أوراقه. في الدقيقة 79، أجرى ألمادا تبديلاً مزدوجاً بدخول أليكس فوريس وتياجو بورباس بدلاً من فيناس وهيثم حسن، في محاولة يائسة لهز الشباك. لكن ديبورتيفو ألافيس، وبقيادة محنكة من كيكي سانشيز، عرف كيف يمتص هذا الحماس. في الدقيقة 82، خرج صاحب الهدف توني مارتينيز وسط تحية زملائه ليحل مكانه لوكاس بوي، لتأمين النتيجة والاعتماد على الكرات الطولية.
الدقائق الخمس الأخيرة شهدت محاولات انتحارية من أوفييدو، ودخل ناتشو فيدال في الدقيقة 85 لتعزيز الجبهة اليمنى، بينما عزز ألافيس وسطه بدخول كارلوس بينفيديز في الدقيقة 87. ومع وصول المباراة للدقيقة 90+4، تلقى يوسف لخديم بطاقة صفراء نتيجة تعطيل اللعب، وهو تكتيك ذكي استخدمه الضيوف لقتل ما تبقى من وقت.
خاتمة: ألافيس يطير وأوفييدو يغرق
عندما أطلق الحكم صافرته النهائية، كانت الأرقام تشير إلى تفوق ألافيس في الفعالية رغم غياب الإحصائيات الضخمة. بهذا الفوز، رفع ديبورتيفو ألافيس رصيده إلى 43 نقطة، مؤكداً استقراره في المركز الثالث عشر ومبتعداً تماماً عن حسابات الهبوط، وهو انتصار يبرز قيمة العمل الذي يقوم به كيكي سانشيز فلوريس في إدارة المباريات الصعبة خارج الديار.
أما بالنسبة لـ ريال أوفييدو، فإن هذه الهزيمة هي المسمار رقم عشرين في نعش موسمهم الكارثي، حيث تجمد رصيدهم عند 29 نقطة في قاع الترتيب. لم تشفع لهم التبديلات الخمسة ولا محاولات ألمادا التكتيكية في اختراق حصون ألافيس. أصبحت المهمة الآن شبه مستحيلة، وما يحتاجه الفريق هو معجزة حقيقية في الجولات المتبقية للهروب من المقصلة، في وقت يبدو فيه أن "كارلوس تارتيري" قد شهد واحدة من أكثر لياليه حزناً هذا العام.

