صراع "الكاتدرائية": تعادل بطعم الإثارة بين أسود الباسك وسيلتا فيغو في ليلة صاخبة
تحت أضواء ملعب "سان ماميس" الأسطوري، والمعروف بلقب "الكاتدرائية"، عاشت جماهير كرة القدم الإسبانية فصلاً جديداً من فصول الإثارة في الدوري الإسباني. لم تكن مجرد مباراة عادية بين أتلتيك بيلباو وضيفه سيلتا فيغو، بل كانت معركة تكتيكية وبدنية طاحنة، انتهت باقتسام النقاط بعد تعادل إيجابي بنتيجة 1-1، في ليلة تجلت فيها روح الباسك وعزيمة أبناء فيغو.
بداية صاعقة وصمت في المدرجات
لم يكد الحكم إسيدرو دياز يطلق صافرة البداية، حتى باغت الضيوف أصحاب الأرض بهجوم خاطف لم يكن في الحسبان. في الدقيقة الرابعة فقط، وبينما كانت الجماهير لا تزال تضبط إيقاع هتافاتها، نجح لاكسى موريبا في إرسال تمريرة حاسمة اخترقت حصون بيلباو، لتجد الشاب السويدي المتألق فيليوت سفيدبيرغ الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول لصالح سيلتا فيغو. هذا الهدف المبكر نزل كالصاعقة على لاعبي المدرب ارنيستو فالفيردي، وأجبرهم على إعادة ترتيب أوراقهم تحت ضغط هائل.
اتسم الشوط الأول بالندية المفرطة والتدخلات البدنية القوية، حيث حاول بيلباو العودة سريعاً، لكن دفاع سيلتا فيغو المنظم حال دون ذلك. ولم يخلُ هذا الشوط من التوتر، إذ اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه هافيير رواييد من جانب سيلتا فيغو في الدقيقة العاشرة، قبل أن يتلقى المخضرم يوري بيرشتش إنذاراً في الدقيقة 38 نتيجة تدخل عنيف. وقبل نهاية الشوط بثلاث دقائق، حصل الحارس لونوت رادو على بطاقة صفراء أخرى، مما عكس حالة القلق التي انتابت الضيوف أمام المحاولات الباسكية المتكررة.
زئير الأسود وعودة "ويليامز" المنشودة
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى المدربان تغييرات تكتيكية فورية؛ حيث دفع فالفيردي باللاعب روبرت نافارو بدلاً من أوناي جوميز لزيادة الفاعلية الهجومية، بينما استبدل كلاوديو جيرالديز لاعبه المنذر هافيير رواييد بالظهير أوسكار مينجويزا. هذه التغييرات أتت ثمارها سريعاً لأصحاب الأرض، ففي الدقيقة 52، ومن عرضية متقنة من القائد يوري بيرشتش، ارتقى القناص إينياكي ويليامز فوق الجميع، ليوجه كرة رأسية قوية سكنت شباك رادو، مفجراً بركان الغضب والبهجة في مدرجات سان ماميس.
اشتعلت المباراة بعد هدف التعادل، وأصبح اللعب سجالاً بين الفريقين. وفي محاولة لاستعادة التقدم، دفع مدرب سيلتا فيغو بورقته الرابحة والأسطورية ياجو أسباس في الدقيقة 59، رفقة بابلو دوران، بدلاً من بورخا إيجليسياس وفيران جوتجلا. هذه التبديلات منحت سيلتا فيغو نفساً جديداً في الخط الأمامي، مما أجبر دفاع بيلباو بقيادة أيميريك لابورتي على الاستبسال، حيث نال لابورتي بطاقة صفراء في الدقيقة 68 لإيقاف هجمة واعدة للضيوف.
صراع الأمتار الأخيرة وتكتيك المدربين
دخلت المباراة في نفق مظلم من الحذر التكتيكي في الربع الأخير. فالفيردي استشعر الحاجة لضخ دماء جديدة، فأشرك اليخاندرو ريجو بدلاً من مايكل جاوريجزار، ثم أتبعها بتبديلات هجومية مزدوجة في الدقيقة 82 بدخول مروان سنادي ونيكو سيرانو. وفي المقابل، حاول سيلتا فيغو الحفاظ على التوازن الدفاعي مع الاعتماد على المرتدات، خاصة بعد خروج صاحب الهدف سفيدبيرغ ودخول هوجو ألفاريز.
شهدت الدقائق الأخيرة خروج صاحب هدف التعادل إينياكي ويليامز وسط تحية الجماهير، ليدخل بدلاً منه أوركو إيزيتا في محاولة أخيرة لخطف الفوز، بينما عزز سيلتا فيغو وسطه بدخول ماتياس فيسينو في الدقيقة التسعين. ورغم الضغط الرهيب من "أسود الباسك" في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، إلا أن صلابة دفاع سيلتا فيغو وتألق حارسهم حال دون تغيير النتيجة، لتنتهي الملحمة بتعادل عادل أرضى الطرفين إلى حد ما.
ماذا يعني التعادل للفريقين؟
بهذه النتيجة، رفع سيلتا فيغو رصيده إلى 51 نقطة، محافظاً على مركزه السادس في جدول الترتيب، وهو ما يعزز طموحاته في حجز مقعد مؤهل للمسابقات الأوروبية الموسم المقبل. في المقابل، وصل أتلتيك بيلباو إلى النقطة 45 في المركز الثاني عشر، في موسم شهد تذبذباً في النتائج، لكنه أثبت اليوم أن "سان ماميس" سيبقى دائماً حصناً يصعب اختراقه.
لقد كانت مباراة تجسد جمال كرة القدم الإسبانية؛ سرعة في الأداء، قوة في الالتحامات، وذكاء تكتيكي من خارج الخطوط. وبالرغم من غياب الأهداف الإضافية، إلا أن المشجع الذي حضر في الملعب أو شاهد خلف الشاشات، استمتع بوجبة كروية دسمة أكدت أن الصراع في "الليغا" لا يعترف بالفوارق النقطية، بل بما يقدمه اللاعبون من عرق وجهد طوال 90 دقيقة.

