شتوتجارت يروض خيول غلادباخ في ليلة السقوط بـ "بوروسيا بارك"
تحت أضواء ملعب "بوروسيا بارك" الساطعة، وفي قلب مدينة مونشنغلادباخ التي كانت تتنفس عشق كرة القدم في ظهيرة يوم شتوي هادئ، شهدت الجولة التاسعة عشرة من الدوري الألماني فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية. لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت صراعاً بين طموح شتوتجارت في الحفاظ على موقعه بين الكبار، ورغبة بوروسيا مونشنغلادباخ في استعادة كبريائه أمام جماهيره. غير أن الرياح لم تأتِ بما اشتهت سفن أصحاب الأرض، حيث غادر "الفيفالدي" ملعبهم يجرون أذيال الخيبة بعد خسارة قاسية بثلاثية نظيفة، في مباراة كان عنوانها الأبرز: "الفرص الضائعة لا تعود".
بداية عاصفة ومنعطف درامي مبكر
دخل رجال المدرب يوجين بولانسكي اللقاء بضغط عالٍ، مدفوعين بهتافات الآلاف من مشجعيهم، وكأنهم أرادوا حسم الأمور قبل أن يستفيق الضيوف من صدمة البداية. وفي الدقيقة الثالثة عشرة، حبست الأنفاس في المدرجات حين أعلن الحكم سورين ستوركس عن ركلة جزاء لصالح غلادباخ. تقدم المهاجم هاريس تابكوفيتشش، والهدوء يخيم على المكان، لكن الكرة التي سددها لم تجد طريقها إلى الشباك، بل ضلت طريقها لتعلن عن ضياع فرصة ذهبية كانت كفيلة بتغيير مسار الأمسية بالكامل. هذا الإهدار لم يكن مجرد ركلة ضائعة، بل كان نقطة التحول النفسي التي منحت شتوتجارت الثقة التي كانوا يبحثون عنها.
بدأ شتوتجارت، تحت قيادة مدربه المحنك سباستيان هونيس، في تنظيم صفوفه وامتصاص حماس الخصم. وفي الدقيقة الثلاثين، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، نجح جيمي لويلينج في هز شباك غلادباخ، معلناً عن الهدف الأول للضيوف. ساد الصمت أرجاء "بوروسيا بارك" إلا من صرخات الفرح القادمة من مدرج الضيوف. حاول غلادباخ الرد، واحتدم الصراع في وسط الملعب، مما أجبر الحكم على إشهار البطاقة الصفراء في وجه لاعب شتوتجارت أتاكان كارازور في الدقيقة 43، لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف بهدف نظيف، وسط حيرة بدت واضحة على وجوه لاعبي غلادباخ وهم يتوجهون لغرف الملابس.
الشوط الثاني: انهيار القلاع الخضراء
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول بولانسكي تنشيط هجومه، فدفع باللاعب وائل محيي بدلاً من فرانك أونورا في الدقيقة 56، آملاً في إيجاد الثغرة المفقودة. لكن شتوتجارت كان يلعب بانضباط تكتيكي عالٍ، وكان هونيس يقرأ المباراة ككتاب مفتوح؛ فأجرى تبديلات ذكية بدخول كريس فوهريتش ودنيز اونداف، وهو التبديل الذي سيقلب الموازين لاحقاً. وبينما كان غلادباخ يبحث عن التعادل، جاءت الطعنة من الداخل؛ ففي الدقيقة 67، وبخطأ دفاعي غير متوقع، وضع جوزيف سكالي الكرة في مرماه بالخطأ، ليمنح شتوتجارت هدفاً ثانياً كان بمثابة رصاصة الرحمة على طموحات أصحاب الأرض.
لم يتوقف إعصار شتوتجارت عند هذا الحد، ففي الدقيقة 74، ومن تمريرة سحرية من أنجيلو ستيلر، استلم البديل دنيز اونداف الكرة وببراعة المهاجم القناص وضعها في الشباك، معلناً عن الهدف الثالث. كانت هذه اللحظة هي الإعلان الرسمي عن حسم النقاط الثلاث، حيث بدا الاستسلام واضحاً على ملامح لاعبي مونشنغلادباخ، الذين عانوا من غياب التركيز في اللمسة الأخيرة وتفكك الخطوط الدفاعية أمام سرعة ومهارة مهاجمي شتوتجارت.
تكتيك هونيس وصمود الضيوف
أظهرت الإحصائيات تفوقاً تكتيكياً واضحاً لشتوتجارت، الذي عرف كيف يستغل المساحات في دفاعات غلادباخ. التبديلات التي أجراها سباستيان هونيس كانت حاسمة، حيث منح دخول ماكسيميليان ميتلشتيت وبلال الخنوس وتشيما أندريس في الدقائق الأخيرة توازناً كبيراً للفريق، وحافظ على نسق اللعب المرتفع. في المقابل، حاول بولانسكي تدارك الموقف بتبديلات متأخرة بإشراك كيفين شتوغر ويانيك انجلهارد، لكن الوقت كان قد فات، وزاد الطين بلة حصول لوكاس أولريش على بطاقة صفراء في الدقيقة 85 قبل أن يتم استبداله مباشرة.
أدار الحكم سورين ستوركس المباراة باقتدار، ورغم التوتر الذي شاب بعض الفترات، إلا أنه حافظ على هدوء الملعب. شتوتجارت، الذي يحتل المركز الرابع في جدول الترتيب، أثبت اليوم أنه رقم صعب في "البوندسليجا" هذا الموسم، حيث رفع رصيده إلى 36 نقطة، مواصلاً مطاردة فرق الصدارة، بينما تجمد رصيد بوروسيا مونشنغلادباخ عند 20 نقطة في المركز الحادي عشر، ليبقى في دوامة النتائج المتذبذبة.
الخاتمة: شتوتجارت يطير وغلادباخ يراجع حساباته
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 96 دقيقة من اللعب، كانت ملامح الفرح ترتسم على وجوه لاعبي شتوتجارت الذين احتفلوا مع جماهيرهم الوفية التي زحفت خلفهم. هذه النتيجة ليست مجرد فوز عريض بثلاثية، بل هي تأكيد على أحقية الفريق بالتواجد في المربع الذهبي والمنافسة على المقاعد الأوروبية. أما بالنسبة لبوروسيا مونشنغلادباخ، فإن هذه الهزيمة فوق ميدانه وبين جماهيره تضع الكثير من علامات الاستفهام حول المنظومة الدفاعية للفريق وقدرته على استغلال الفرص المحققة، وستكون فترة التوقف القادمة فرصة للمدرب يوجين بولانسكي لمراجعة حساباته وترميم صفوف فريقه قبل فوات الأوان.


