زئير النسور يحسم قمة "دويتشه بنك بارك": فرانكفورت يُسقط فرايبورغ بثنائية البدلاء
تحت أضواء ملعب "دويتشه بنك بارك" الكاشفة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات الدوري الألماني، نجح آينتراخت فرانكفورت في تأكيد علو كعبه وترسيخ مكانته بين الكبار، بعدما حقق فوزاً ثميناً ومستحقاً على ضيفه فرايبورغ بهدفين دون رد. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت ملحمة تكتيكية تجلت فيها عبقرية التبديلات، وصمود النسور أمام طموحات الضيوف، في لقاء أداره الحكم كريستيان دينجرت باقتدار وسط أجواء جماهيرية صاخبة لم تهدأ طوال سبع وتسعين دقيقة من الإثارة.
بداية متعثرة وتحديات مبكرة
لم تكد عقارب الساعة تعلن عن انطلاق صافرة البداية، حتى واجه المدرب البرات ريير اختباراً صعباً لم يكن في الحسبان. ففي الدقيقة الخامسة فقط، اضطر آينتراخت فرانكفورت لإجراء تبديل اضطراري مبكر بخروج كاوو دوس سانتوس ودخول ميشال زترر. هذا التغيير المفاجئ أربك الحسابات قليلاً وأضفى نوعاً من الحذر على أداء أصحاب الأرض، بينما حاول فرايبورغ بقيادة مدربه جوليان شوستر استغلال هذه الثغرة المبكرة لفرض إيقاعه على وسط الملعب.
شهد الشوط الأول صراعاً بدنياً عنيفاً في منطقة العمليات، حيث اعتمد فرايبورغ على التنظيم الدفاعي المحكم والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة، بينما حاول فرانكفورت بناء اللعب عبر تحركات ماريو جوتزه وخبرته الكبيرة. ورغم المحاولات المتكررة، إلا أن الشباك ظلت مستعصية، وانتهى النصف الأول من اللقاء بنتيجة بيضاء، وسط ترقب جماهيري لما سيسفر عنه الشوط الثاني من تغييرات في الاستراتيجية.
ثورة التبديلات: فارس شعيبي يغير الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، بدا واضحاً أن المدرب البرات ريير يخبئ أوراقه الرابحة للحظة الحسم. وفي الدقيقة الثالثة والستين، أجرى فرانكفورت تبديلات مزدوجة كانت بمثابة نقطة التحول الجوهرية في المباراة؛ حيث غادر ماريو جوتزه وأوسكار هويلوند أرضية الملعب، ليدخل مكانهما ريتسو دوان والنجم الجزائري فارس شعيبي. لم يحتج شعيبي سوى لستين ثانية فقط ليضع بصمته الأولى ويشعل المدرجات.
في الدقيقة الرابعة والستين، ومن هجمة منسقة بدأت من الخلف، أرسل نامدي كولينز تمريرة دقيقة وضعت فارس شعيبي في وضعية مثالية أمام المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك معلنة عن الهدف الأول لآينتراخت فرانكفورت. هذا الهدف فجر بركان الفرح في ملعب "دويتشه بنك بارك"، ووضع فرايبورغ تحت ضغط هائل للعودة في النتيجة.
تواتر الأحداث وإحكام السيطرة
حاول فرايبورغ الرد سريعاً، وزادت حدة التوتر في الملعب، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه لوكاس هولير في الدقيقة السادسة والستين بعد تدخل قوي. ومع استمرار الضغط، لجأ جوليان شوستر لعدة تبديلات في الدقيقة الثانية والسبعين، حيث أشرك سيرياكي ايري وديري شيرهانت بدلاً من هولير وفيتشينزو جريفو، أملاً في إنعاش الخط الهجومي.
إلا أن فرانكفورت عرف كيف يمتص حماس الضيوف، واستمر في فرض أسلوبه المتوازن. وفي الدقيقة الحادية والثمانين، عاد فارس شعيبي ليلعب دور صانع الألعاب هذه المرة، حيث مرر كرة "مقشرة" لزميله جان ماتيو باهويا، الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى مسجلاً الهدف الثاني الذي قتل طموحات فرايبورغ تماماً. لقد كان مشهداً يجسد الجماعية والروح القتالية التي غرسها ريير في نفوس لاعبيه.
الدقائق الأخيرة وصراع الأعصاب
لم تخلُ الدقائق الأخيرة من الإثارة والندية، حيث حاول فرايبورغ تسجيل هدف شرفي يحفظ به ماء الوجه، لكن دفاع فرانكفورت بقيادة نامدي كولينز كان بالمرصاد. وفي الدقيقة السادسة والثمانين، تلقى كولينز بطاقة صفراء نتيجة تعطيله لهجمة مرتدة، وتبعه مباشرة سيرياكي ايري من جانب فرايبورغ ببطاقة صفراء أخرى في الدقيقة السابعة والثمانين نتيجة الاحتجاج والالتحام القوي، مما عكس حالة التوتر التي سادت اللحظات الأخيرة.
أجرى ريير تبديلات تكتيكية في الدقائق الأخيرة لإضاعة الوقت وتأمين النتيجة، فدفع بـ إلياس سخيري وأيوب الميموني بدلاً من هوجو لارسون وجوناثان بوركاردت. ومع إعلان الحكم عن نهاية المباراة بعد سبع دقائق وقت بدل ضائع، انطلقت احتفالات صاخبة في المدرجات، حيث رفع فرانكفورت رصيده إلى 34 نقطة في المركز السابع، مبتعداً عن ملاحقه المباشر فرايبورغ الذي تجمد رصيده عند 33 نقطة في المركز الثامن.
الخلاصة: انتصار التكتيك والروح
لقد أثبت آينتراخت فرانكفورت في هذه الموقعة أنه فريق يمتلك النفس الطويل والقدرة على إدارة الأزمات، خاصة بعد التبديل الاضطراري المبكر. كان فارس شعيبي بلا شك هو رجل المباراة الأول، حيث سجل هدفاً وصنع آخر في غضون دقائق من دخوله، مؤكداً أن دكة بدلاء النسور لا تقل شأناً عن العناصر الأساسية. في المقابل، سيتعين على فرايبورغ مراجعة حساباته، خاصة فيما يتعلق بالنجاعة الهجومية والقدرة على اختراق الدفاعات المنظمة خارج ملعبه، حيث تظهر الإحصائيات معاناته الواضحة في الرحلات بعيداً عن دياره.
بهذا الفوز، يواصل آينتراخت فرانكفورت رحلة البحث عن مقعد أوروبي، متسلحاً بجماهيره الوفية وأسلوب لعبه المتطور، بينما يظل فرايبورغ في دائرة المنافسة، بانتظار تعويض هذه الخسارة في الجولات القادمة من "البوندسليغا" التي لا تعرف الهدوء.


