ملحمة سانت جيمس بارك: التوفيز يروضون الماكبايس في ليلة درامية
تحت أضواء ملعب سانت جيمس بارك الكاشفة، وفي قلب مدينة نيوكاسل التي لا تنام حين يتعلق الأمر بكرة القدم، شهدت الجولة الثامنة والعشرون من الدوري الإنجليزي الممتاز فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي. في أمسية كروية حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة، نجح إيفرتون في خطف انتصار ثمين ومثير بنتيجة 3-2 على مضيفه نيوكاسل يونايتد، في مباراة كانت بمثابة شطرنج تكتيكي تارة، ومعركة بدنية طاحنة تارة أخرى، قادها باقتدار الحكم ستيوارت أتويل.
أجواء ما قبل العاصفة: طموح هاوٍ وخبرة مويس
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أهازيج جماهير "الماكبايس" التي هزت أركان الملعب العريق، حيث سعى المدرب إيدي هاو لاستغلال عامل الأرض والجمهور لتعزيز موقعه في جدول الترتيب. في المقابل، وصل دافيد مويس بكتيبته "التوفيز" وهو يدرك تماماً أن مواجهة نيوكاسل في عرينه تتطلب مزيجاً من الانضباط الدفاعي والجرأة الهجومية. التوقعات كانت تشير إلى مباراة متكافئة، وهو ما أكدته الإحصائيات لاحقاً بتقاسم الفريقين لنسبة الاستحواذ التي بلغت 50% لكل منهما، لكن أحداً لم يتوقع هذا السيناريو الهوليودي الذي سيتكشف أمام أعين الحاضرين.
الشوط الأول: تبادل الضربات السريعة
بدأت المباراة بجس نبض لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما كشر الضيوف عن أنيابهم. وفي الدقيقة 19، ومن ركلة متقنة نفذها جيمس جارنر، ارتقى المدافع الشاب ياراد برانتوايت فوق الجميع ليرسل رأسية قوية سكنت الشباك، معلناً عن تقدم إيفرتون وسط ذهول المدرجات. لم يستسلم أصحاب الأرض، وبدأوا في تنظيم صفوفهم بقيادة المايسترو ساندرو تونالي، الذي قدم تمريرة سحرية في الدقيقة 32 وضعت جاكوب رامسي في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة لا ترد عادلت الكفة وأعلنت عن انفجار الفرحة في "سانت جيمس بارك".
لكن الفرحة لم تدم سوى دقيقتين فقط، فبينما كان لاعبو نيوكاسل يحتفلون بالتعادل، شن إيفرتون هجمة خاطفة ومنظمة انتهت عند المهاجم القوي بيتو، الذي استغل هفوة دفاعية ليضع الكرة في المرمى في الدقيقة 34، معيداً التقدم للضيوف. هذا الهدف كان بمثابة صفعة قوية لخطط إيدي هاو، لينتهي الشوط الأول بتقدم إيفرتون بهدفين لهدف، وسط أجواء من الترقب لما سيحدث في النصف الثاني من الملحمة.
الشوط الثاني: تبديلات قلبت الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك إيدي هاو ضرورة التغيير، فدفع بـ جوزيف ويلوك بدلاً من صاحب الهدف رامسي في محاولة لتجديد دماء الوسط، لكن الأجواء ازدادت توتراً مع إشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه كيرنان ديوسبوري هال في الدقيقة 53. توالت التبديلات، حيث دخل جاكوب ميرفي وهارفي بارنيز لزيادة الضغط الهجومي، بينما حصل ويلوك على إنذار في الدقيقة 61 بعد تدخل قوي، تبعه إنذار لجارنر من جانب إيفرتون في الدقيقة 67.
ظلت المباراة معلقة، هجمات هنا وهناك، وتألق من الحارسين، حتى وصلنا إلى الدقائق العشر الأخيرة المجنونة. في الدقيقة 82، وبعد ضغط متواصل، أرسل جولينتون عرضية متقنة ارتقى لها البديل جاكوب ميرفي ليسكنها الشباك، معيداً الأمل لنيوكاسل بالتعادل 2-2. ظن الجميع أن المباراة في طريقها للتعادل، لكن البديل الآخر في صفوف إيفرتون، ثيرنو باري، كان له رأي آخر تماماً.
الضربة القاضية والسيناريو القاتل
في الدقيقة 83، وفي أقل من ستين ثانية على هدف تعادل نيوكاسل، ومن تمريرة حاسمة من كيرنان ديوسبوري هال، استغل ثيرنو باري ارتباكاً دفاعياً ليصعق الجميع بهدف ثالث لإيفرتون. كانت لحظة صمت رهيبة خيمت على الملعب، باستثناء الركن المخصص لجماهير "التوفيز" التي سافرت خلف فريقها. حاول نيوكاسل العودة بكل ثقله، ودفع هاو بـ ويليام أوسولا بدلاً من جوردون، لكن دفاع إيفرتون بقيادة مايكل كيين الذي دخل في الدقائق الأخيرة، استبسل في الذود عن مرماه.
شهدت الدقائق الأخيرة توتراً كبيراً، حيث تلقى المدافع دانيال برن بطاقة صفراء في الدقيقة 88 نتيجة الاحتكاكات البدنية القوية. ورغم احتساب الحكم لست دقائق وقت بدل ضائع، إلا أن صافرة النهاية أعلنت عن فوز تاريخي لإيفرتون في واحدة من أجمل مباريات الموسم.
تحليل تكتيكي: كيف حسم مويس المعركة؟
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن المباراة كانت متقاربة جداً؛ حيث سدد نيوكاسل 10 تسديدات منها 5 على المرمى، بينما سدد إيفرتون 9 تسديدات منها 6 على المرمى، مما يعكس الفعالية الهجومية الكبيرة للضيوف. التبديلات كانت هي مفتاح السر في هذا اللقاء؛ فبينما نجح ميرفي في التسجيل لنيوكاسل كبديل، كان رد مويس حاسماً بإشراك ثيرنو باري الذي سجل هدف الفوز بعد دقائق من دخوله. الانضباط التكتيكي لإيفرتون والقدرة على التحول السريع من الدفاع للهجوم هي من منحتهم التفوق في ليلة غابت فيها التركيز عن دفاعات الماكبايس في اللحظات الحاسمة.
الخاتمة: ماذا يعني هذا الانتصار؟
بهذه النتيجة، رفع إيفرتون رصيده إلى 40 نقطة ليقفز إلى المركز الثامن، مؤكداً قوته خارج ملعبه حيث حقق فوزه السابع بعيداً عن "غوديسون بارك" هذا الموسم. أما نيوكاسل يونايتد، فقد تجمد رصيده عند 36 نقطة في المركز الثاني عشر، ليبقى في دوامة النتائج المتذبذبة. لقد كانت ليلة للذكرى في سانت جيمس بارك، ليلة أثبتت أن الدوري الإنجليزي لا يعترف بالثوابت، وأن المباراة لا تنتهي إلا بصافرة الحكم، مهما بلغت درجة الإثارة والجنون.

