لدغة "مينتيه" تمنح برايتون نقاط "ملعب الضوء" في ليلة درامية
تحت أضواء ملعب الضوء الكاشفة، وفي قلب مدينة سندرلاند التي لا تنام حين يتعلق الأمر بكرة القدم، حُبست الأنفاس في مواجهة لم تكن مجرد مباراة في الدوري الإنجليزي، بل كانت صراعاً تكتيكياً محتدماً بين طموح "القطط السوداء" ودهاء "النوارس". انتهت الملحمة بفوز ضيق ولكنه ثمين لـ برايتون بهدف نظيف، في ليلة شهدت كل فنون الإثارة؛ من أهداف ألغاها "الفار" إلى صرخات الجماهير التي لم تتوقف حتى صافرة الحكم توماس كيرك الأخيرة.
صمت يسبق العاصفة وتكافؤ تكتيكي
دخل الفريقان أرضية الميدان وكل منهما يحمل في جعبته 40 نقطة، مما جعل المباراة فضاً للشراكة في وسط جدول الترتيب. مدرب سندرلاند، ريجيس لي بري، اعتمد على الضغط العالي والكرات العرضية التي وصلت إلى 19 عرضية طوال اللقاء، محاولاً استغلال عاملي الأرض والجمهور. في المقابل، رسم الشاب فابيان هورزلر لوحة تكتيكية تعتمد على الاستحواذ، حيث سيطر برايتون على الكرة بنسبة 55%، متبادلاً 440 تمريرة بدقة وصلت إلى 79.5%.
الشوط الأول كان أشبه بمباراة شطرنج؛ هجمات متبادلة وحذر دفاعي شديد. سندرلاند كان الأكثر وصولاً للمرمى بـ 13 تسديدة إجمالية، لكن برايتون كان يعرف كيف يمتص هذا الحماس. الأجواء في المدرجات كانت مشتعلة، وهتافات جماهير سندرلاند كانت تزلزل أركان الملعب، بانتظار لحظة انفجار الفرح التي تأجلت كثيراً.
دراما "الفار" ومنعرج المباراة
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل سندرلاند بضغط رهيب، وفي الدقيقة 50، اهتزت الشباك أخيراً. انطلق كريس ريج وسط فرحة جنونية في "ملعب الضوء"، ظن الجميع أن أصحاب الأرض وضعوا قدماً في طريق الانتصار. لكن، وكما جرت العادة في كرة القدم الحديثة، تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتلغي الهدف وتُعيد المباراة إلى نقطة الصفر، وسط خيبة أمل مريرة سادت المدرجات.
هذا الإلغاء كان بمثابة الصدمة النفسية للاعبي سندرلاند، وهو ما استغله "النوارس" بذكاء شديد. لم تمر سوى ثماني دقائق حتى جاء الرد القاسي؛ ففي الدقيقة 58، ومن هجمة منظمة، استطاع المتألق يانكوبا مينتيه أن يكسر حاجز الصمت ويسجل هدف التقدم لبرايتون. كان هدفاً غير مجرى اللقاء تماماً، وحول الضغط النفسي صوب لاعبي سندرلاند الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بالعودة في النتيجة أمام فريق يجيد الاحتفاظ بالكرة.
صراع البطاقات والتبديلات الحاسمة
بعد الهدف، اشتعلت المباراة بدنياً، وبدأ الحكم توماس كيرك في إشهار البطاقات الملونة للسيطرة على الأجواء المشحونة. نال دييغو غوميس بطاقة صفراء في الدقيقة 51، وتبعه صاحب الهدف يانكوبا مينتيه ببطاقة مماثلة في الدقيقة 74 بعد تدخل قوي. سندرلاند لم يكن بعيداً عن هذا التوتر، حيث تلقى المخضرم جرانيت تشاكا بطاقة صفراء في الدقيقة 76، تعكس حجم الضغط الذي كان يعانيه وسط ملعب "القطط السوداء".
مدرب سندرلاند حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى عدة تبديلات هجومية، حيث دفع بـ لوكا أونيون بدلاً من بالارد، ثم أشرك إيليزر ماييدا و دينيس كريكين لتنشيط الجبهة الأمامية. في المقابل، أظهر هورزلر حنكة كبيرة في إدارة الدقائق الأخيرة؛ فقام بسحب صاحب الهدف مينتيه ليدفع بـ مكسيم دي كويبر لتأمين الدفاع، ثم أجرى تبديلات تكتيكية في الوقت القاتل (الدقيقة 90+4) بدخول جويل فيلتمان و ماثيو اورايلي لقتل الوقت وامتصاص ما تبقى من حماس أصحاب الأرض.
صمود "النوارس" وخيبة أمل "القطط السوداء"
رغم حصول سندرلاند على 7 ركنيات وضغطه المتواصل في الدقائق العشر الأخيرة، إلا أن دفاع برايتون ومن خلفه حارس مرمى يقظ حالوا دون وصول الكرة للشباك. الإحصائيات أظهرت تفوق سندرلاند في عدد التسديدات على المرمى (4 تسديدات)، لكن الفاعلية كانت غائبة تماماً أمام المرمى، بينما عرف برايتون كيف يخرج بالمبتغى من أقل الفرص المتاحة.
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 9 دقائق من الوقت المحتسب بدل ضائع، ساد صمت مطبق في أرجاء "ملعب الضوء"، باستثناء ركن صغير احتفل فيه مشجعو برايتون الذين قطعوا مسافات طويلة لدعم فريقهم. كانت ملامح الإحباط واضحة على وجه المدرب ريجيس لي بري، الذي رأى فريقه يسيطر ويهاجم دون أن ينجح في هز الشباك بشكل شرعي.
ماذا يعني هذا الفوز؟
بهذا الانتصار، رفع برايتون رصيده إلى 43 نقطة، ليقفز إلى المركز العاشر، متجاوزاً سندرلاند الذي تجمد رصيده عند 40 نقطة في المركز الثاني عشر. المباراة لم تكن مجرد ثلاث نقاط، بل كانت رسالة من برايتون بقدرته على الصمود في الملاعب الصعبة وانتزاع الانتصارات بذكاء تكتيكي عالٍ. أما سندرلاند، فعليه مراجعة حساباته الهجومية، فنسبة الاستحواذ والكرات العرضية لا تعني شيئاً إذا لم تترجم إلى أهداف داخل الشباك. رحل الجميع عن الملعب، لكن صدى لدغة "مينتيه" سيبقى يتردد في أروقة سندرلاند حتى موعد المواجهة القادمة.

