زلزال في "هيل ديكنسون": إيفرتون يروض "أسود" لندن بثلاثية تاريخية
تحت أضواء ملعب "هيل ديكنسون" الكاشفة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس منذ لحظاتها الأولى، رسم نادي إيفرتون لوحة فنية من الانضباط والروح القتالية، ليدك شباك ضيفه تشيلسي بثلاثية نظيفة هزت أركان الدوري الإنجليزي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول المسابقة، بل كانت استعراضاً للقوة من جانب كتيبة المدرب الخبير دافيد مويس، الذي عرف كيف يروض طموحات "البلوز" بقيادة مدربهم الشاب ليام روسينور، في مواجهة أدراها الحكم صامويل باروت باقتدار وسط أجواء جماهيرية صاخبة جعلت من الملعب مرجلاً يغلي بالهتافات.
أجواء مشحونة وطموحات متباينة
قبل إطلاق صافرة البداية، كانت التوقعات تشير إلى معركة تكتيكية طاحنة؛ فتشيلسي دخل اللقاء وهو يطمح لتعزيز موقعه في المركز السادس، بينما كان إيفرتون يسعى للثأر لكرامته والارتقاء في سلم الترتيب. امتلأت مدرجات "هيل ديكنسون" عن آخرها، واكتست باللون الأزرق الملكي، ورسمت الجماهير لوحات من الوفاء لفريقها. دافيد مويس، بملامحه الصارمة، كان يدرك أن مفتاح الفوز يكمن في إغلاق المساحات والاعتماد على التحولات السريعة، بينما بدا ليام روسينور متفائلاً بقدرة عناصره الشابة على اختراق حصون "التوفيز". ومع إطلاق الحكم صامويل باروت لصافرة البداية، انطلقت الملحمة التي لم يكن أشد المتفائلين من عشاق إيفرتون يتوقع سيناريوها بهذا الجمال.
الشوط الأول: بيتو يفتتح مهرجان الأهداف
بدأت المباراة بجس نبض بين الطرفين، حيث حاول تشيلسي الاستحواذ على الكرة وفرض إيقاعه، لكن صلابة وسط ميدان إيفرتون كانت بالمرصاد. وفي الدقيقة 33، ومن هجمة منظمة بدأت من الرواق، أرسل جيمس جارنر تمريرة حاسمة متقنة ضربت الخطوط الدفاعية للندنيين، لتجد القناص بيتو الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول ومفجراً صرخات الفرح في المدرجات. هذا الهدف غير مجرى اللعب تماماً، حيث ارتبكت حسابات روسينور، وحاول لاعبو تشيلسي العودة سريعاً، إلا أن دفاع إيفرتون كان كتلة خرسانية تحطمت عليها كل المحاولات الخجولة لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق لأصحاب الأرض.
الشوط الثاني: إعصار "التوفيز" يقتلع جذور البلوز
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول مدرب تشيلسي ضخ دماء جديدة، فدفع بالنجم أليخاندرو غارناتشو بدلاً من مالو جوستو في الدقيقة 46، آملاً في تنشيط الجبهة الهجومية. ورغم الضغط النسبي لتشيلسي في البداية، إلا أن إيفرتون ظل صامداً. وفي الدقيقة 57، واصل روسينور تبديلاته بدخول أندري سانتوس بدلاً من روميو لافيا، لكن الرد جاء قاسياً من أقدام "التوفيز". ففي الدقيقة 62، ومن مجهود سخي في وسط الملعب، قدم إدريسا جانا جاي تمريرة ذهبية لزميله بيتو، الذي لم يخطئ المرمى للمرة الثانية، محرزاً هدفه الشخصي الثاني وهدف فريقه الثاني، ليضع تشيلسي في موقف لا يحسد عليه.
لم تتوقف متاعب تشيلسي عند هذا الحد، بل زادت الأمور سوءاً بحصول أليخاندرو غارناتشو على بطاقة صفراء في الدقيقة 70 نتيجة التدخل العنيف والتوتر الذي بدا واضحاً على لاعبي الضيوف. وفي محاولة يائسة، دفع روسينور بالموهبة الشابة "إستيفاو" بدلاً من بيدرو نيتو، لكن إيفرتون كان قد أحكم قبضته تماماً على المباراة. وفي الدقيقة 76، جاءت رصاصة الرحمة؛ حيث تقمص بيتو دور صانع الألعاب هذه المرة، مهدياً كرة على طبق من ذهب لزميله إيليمان ندياي، الذي أسكنها المباغتة في شباك تشيلسي، ليعلن عن الهدف الثالث وسط ذهول تام على دكة بدلاء "البلوز".
قراءة فنية: عبقرية مويس وتخبط روسينور
أثبت دافيد مويس في هذه المباراة أنه لا يزال يمتلك الكثير ليقدمه، حيث كانت تبديلاته في الدقائق الأخيرة تهدف لتأمين النتيجة وإراحة نجومه؛ فدفع بـ ياراد برانتوايت بدلاً من دوايت ماك نيل في الدقيقة 78 لتعزيز الدفاع، ثم أخرج بطل الليلة بيتو في الدقيقة 81 ليمنح الجماهير فرصة لتحيته، ودفع بـ ثيرنو باري مكانه. في المقابل، بدت تبديلات تشيلسي، بدخول ليام ديلاب واولواتوسين ادارابيو، وكأنها محاولات لترميم ما يمكن ترميمه، لكن الوقت كان قد فات. واتسمت الدقائق الأخيرة بالخشونة من جانب تشيلسي، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه ويسلي فوفانا في الدقيقة 87 بعد تدخل متهور.
بالنظر لغة الأرقام، فقد كان إيفرتون الطرف الأكثر فاعلية؛ حيث استغل فرصه بشكل مثالي، بينما عانى تشيلسي من غياب اللمسة الأخيرة رغم محاولات الاستحواذ. هذا الفوز رفع رصيد إيفرتون إلى 46 نقطة في المركز السابع، مقلصاً الفارق مع تشيلسي صاحب المركز السادس برصيد 48 نقطة. لقد كانت مباراة أظهرت الفوارق الذهنية الكبيرة بين فريق يقاتل من أجل كل كرة، وفريق آخر بدا تائهاً تحت ضغط الميدان.
الخاتمة: ليلة زرقاء بامتياز
عندما أطلق صامويل باروت صافرة النهاية بعد 96 دقيقة من الإثارة، تعانق لاعبو إيفرتون في مشهد يجسد الروح الجماعية التي زرعها مويس. لقد كان انتصاراً تاريخياً بكل المقاييس، ليس فقط بسبب النتيجة العريضة، بل بسبب الأداء البطولي الذي قدمه الفريق أمام أحد كبار القوم. بالنسبة لتشيلسي، فإن هذه الهزيمة تدق ناقوس الخطر وتضع المدرب ليام روسينور أمام تساؤلات صعبة حول قدرة الفريق على الصمود في الأمتار الأخيرة من الموسم. أما في "ميرسيسايد"، فستظل هذه الليلة محفورة في ذاكرة المشجعين، كواحدة من أجمل السهرات الكروية التي شهدها ملعب "هيل ديكنسون"، حيث تروضت الأسود اللندنية أمام إعصار "التوفيز" الهادر.

