زلزال في "سانت جيمس بارك": القطط السوداء تسرق فوزاً درامياً من قلب معقل الماكبايس
في ظهيرة لندنية مشمسة، وتحت أنظار أكثر من خمسين ألف متفرج احتشدوا في جنبات ملعب "سانت جيمس بارك" العريق، عاش عشاق كرة القدم فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في الدوري الإنجليزي الممتاز. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت معركة تكتيكية طاحنة بين إيدي هاو وخصمه ريجيس لي بري، انتهت بسيناريو لم يكن ليتخيله أعتى كتاب الدراما، حيث خطف سندرلاند فوزاً قاتلاً بنتيجة 2-1، تاركاً جماهير نيوكاسل في حالة من الذهول والوجوم.
بداية عاصفة.. جوردون يشعل المدرجات
انطلقت صافرة الحكم الدولي أنتوني تايلور لتعلن بداية اللقاء، ولم يتأخر أصحاب الأرض في فرض إيقاعهم السريع. وسط ضغط هائل وأجواء صاخبة، نجح نيوكاسل في ترجمة أفضليته المبكرة إلى واقع ملموس في الدقيقة العاشرة. بلمحة فنية رائعة، أرسل نيك وولتيماد تمريرة حاسمة وضعت المتألق أنتوني جوردون في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك ببراعة، مفجراً بركاناً من الفرح في المدرجات. بدا للجميع أن نيوكاسل في طريقه لليلة سهلة، خاصة مع سيطرته المطلقة على الكرة التي وصلت نسبتها إلى 58% خلال مجريات اللقاء.
استمر نيوكاسل في الضغط، محاولاً تعزيز التقدم، بينما اكتفى سندرلاند بالتراجع المنظم والاعتماد على المرتدات. ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، بدأت الأعصاب تتوتر، مما دفع الحكم تايلور لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب سندرلاند تراي هومي في الدقيقة 44، بعد تدخل خشن لإيقاف زحف أصحاب الأرض، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق لنيوكاسل بهدف نظيف.
رياح التغيير.. شمس الدين طالبي يعيد الأمل
مع بداية الشوط الثاني، بدت ملامح الإرهاق تظهر على بعض عناصر نيوكاسل، مما اضطر إيدي هاو لإجراء تبديل اضطراري في الدقيقة 54 بخروج المدافع الصلب سفين بوتمان ودخول مالك ثياو لتأمين الخط الخلفي. لكن هذا التغيير لم يمنع "القطط السوداء" من العودة؛ ففي الدقيقة 57، ومن هجمة منظمة ضربت دفاعات الماكبايس، نجح الشاب شمس الدين طالبي في تسجيل هدف التعادل، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر وناشراً الصمت في أرجاء الملعب.
شعر إيدي هاو بالخطر، فقام بإجراء "ثورة" تبديلات في الدقيقة 65، حيث دفع بكل من جاكوب ميرفي، جوزيف ويلوك، وفالانتينو ليفرامينتو بدلاً من إلانجا ووولتيماد وتريبير، في محاولة لاستعادة السيطرة على وسط الميدان وضخ دماء جديدة في العروق الهجومية للفريق.
دراما الدقائق الأخيرة.. بروبي يكتب النهاية الحزينة
دخلت المباراة منعرجها الأخير، وزاد نيوكاسل من حدة هجماته، حيث سدد الفريق 15 تسديدة طوال المباراة، لكن الفعالية كانت غائبة أمام المرمى. في المقابل، كان سندرلاند أكثر خطورة وواقعية، حيث سدد 17 تسديدة، منها 7 تسديدات بين الخشبات الثلاث. وفي الدقيقة 82، تلقى عمر الديريتي بطاقة صفراء نتيجة محاولاته المستمرة لتعطيل اللعب، بينما استمر المدربان في تحريك قطع الشطرنج على العشب الأخضر.
وفي الدقيقة 89، وبينما كانت الجماهير تستعد لتقاسم النقاط، أخرج هاو نجمه الأول أنتوني جوردون ليدفع بـ يون ويسا، لكن القدر كان يخبئ مفاجأة صادمة. وفي الدقيقة 90 تماماً، ومن هجمة مرتدة خاطفة، استطاع القناص بريان بروبي أن ينسل خلف المدافعين ويسجل هدف الفوز القاتل لسندرلاند. لم يكتفِ بروبي بالهدف، بل نال بطاقة صفراء في الدقيقة 91 بسبب مبالغته في الاحتفال بهذا الهدف التاريخي، قبل أن يتم استبداله في الدقيقة 93 لتأمين النتيجة.
صافرة النهاية.. صراع البطاقات والروح القتالية
شهدت الدقائق الخمس الأخيرة من الوقت بدل الضائع توتراً غير مسبوق، حيث حاول لاعبو نيوكاسل العودة في النتيجة بأي ثمن، بينما استبسل لاعبو سندرلاند في الدفاع عن مرماهم. هذا الاستبسال كلفهم سيلاً من البطاقات الصفراء، حيث نال كل من نوح جونيور صديقي ولوتشاريل جيرترويدا إنذارين في الدقيقة 94 نتيجة الالتحامات القوية وإضاعة الوقت القانوني.
أطلق أنتوني تايلور صافرته النهائية معلناً عن فوز ثمين ومفاجئ لسندرلاند، فوز رفع رصيدهم إلى 43 نقطة ليقفزوا إلى المركز الحادي عشر، متجاوزين نيوكاسل الذي تجمد رصيده عند 42 نقطة في المركز الثاني عشر. رغم تفوق نيوكاسل في الاستحواذ وعدد التمريرات التي بلغت 360 تمريرة بدقة وصلت إلى 81%، إلا أن واقعية سندرلاند وروحهم القتالية كانت الكلمة العليا في هذه الملحمة الكروية.
لقد أثبتت هذه المباراة أن كرة القدم لا تعترف بالأرقام والسيطرة الوهمية، بل بالأهداف التي تسكن الشباك. غادرت جماهير نيوكاسل الملعب وهي تجر أذيال الخيبة، بينما احتفل لاعبو سندرلاند مع جماهيرهم القليلة التي سافرت خلفهم، مؤكدين أن ديربيات إنجلترا تظل دائماً خارج نطاق التوقعات، وأن "سانت جيمس بارك" سيظل شاهداً على واحدة من أكثر المباريات إثارة في موسم 2026/2025.

