ليلة باريسية بامتياز: سحر "حديقة الأمراء" يروض طموح "الكناري"
تحت أضواء "بارك دي برانس" الكاشفة، وفي أمسية كروية تعبق برائحة التاريخ الفرنسي، رسم نادي باريس سان جيرمان لوحة فنية جديدة عززت صدارته للدوري، مؤكداً أن العاصمة لا تعترف إلا بلغة الانتصارات. في مواجهة لم تكن مجرد مباراة ثلاث نقاط، بل كانت استعراضاً للقوة التكتيكية والمهارة الفردية، نجح أبناء المدرب لويس إنريكي في دك شباك ضيفهم نانت بثلاثية نظيفة، في ليلة شهدت تألقاً لافتاً للنجم الجورجي كفيشا كفاراتسخيليا الذي كان العريس الأول لهذا العرس الكروي.
أجواء ما قبل المعركة: صراع العقول بين إنريكي وخليلوزيتش
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم الخبير كليمان توربان، كانت الأجواء في مدرجات ملعب "بارك دي برانس" مشحونة بالحماس. الجماهير الباريسية التي ملأت جنبات الملعب كانت تتوقع عرضاً هجومياً كاسحاً، بينما كان المدرب المخضرم وحيد خليلوزيتش يمني النفس بمفاجأة تكتيكية تعيد "الكناري" إلى سكة النتائج الإيجابية. التوقعات كانت تصب في مصلحة العملاق الباريسي، لكن الجميع يعلم أن نانت دائماً ما يحمل معه روح القتال، خاصة عندما يواجه متصدر الترتيب في عقر داره.
الشوط الأول: كفاراتسخيليا يفتتح المهرجان ودوي يضاعف الجراح
لم يمهل الباريسيون ضيوفهم الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم الدفاعية. فمنذ الدقائق الأولى، فرض رفاق أشرف حكيمي حصاراً خانقاً على منطقة جزاء نانت. وفي الدقيقة 13، ومن هجمة منظمة تسببت في ارتباك دفاعي، حصل باريس على ركلة جزاء. انبرى لها "الساحر الجورجي" كفيشا كفاراتسخيليا، وبكل هدوء وثقة، وضع الكرة في الشباك معلناً عن الهدف الأول، لتنفجر المدرجات فرحاً وتشتعل الأجواء مبكراً.
حاول نانت الرد عبر تحركات مصطفى محمد، إلا أن الرقابة اللصيقة والاندفاع البدني من لاعبي باريس حالا دون وصولهم لمرمى أصحاب الأرض. هذا الاندفاع كلف الشاب وارن زاير إيمري بطاقة صفراء في الدقيقة 35 بعد تدخل قوي لقطع هجمة مرتدة. لكن الرد الباريسي كان قاسياً وسريعاً؛ ففي الدقيقة 37، انطلق الظهير الطائر أشرف حكيمي في رواقه المفضل، وبلمحة فنية رائعة قدم تمريرة حاسمة استقرت عند قدم الشاب الموهوب ديزيري دوي، الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى مسجلاً الهدف الثاني. وقبل نهاية الشوط، نال المدافع إيليا زبرني بطاقة صفراء أخرى، لينتهي النصف الأول بهيمنة باريسية مطلقة وتقدم مريح بهدفين دون رد.
الشوط الثاني: رصاصة الرحمة وإدارة ذكية للمباراة
دخل نانت الشوط الثاني بمحاولة لتغيير الصورة، ونال لاعبه فريدريك كلبرت بطاقة صفراء في الدقيقة 46 نتيجة التوتر والضغط. ومع ذلك، لم يترك باريس سان جيرمان أي فرصة للشك؛ ففي الدقيقة 50، ومن عمل جماعي رائع قاده عثمان ديمبيلي الذي قدم تمريرة سحرية، عاد كفيشا كفاراتسخيليا ليوقع على هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه، منهياً المباراة إكلينيكياً وسط ذهول لاعبي نانت.
بعد الهدف الثالث، بدأ لويس إنريكي في التفكير في المداورة والحفاظ على طاقة لاعبيه. وفي الدقيقة 60، أجرى تبديلاً ثلاثياً بخروج كل من أشرف حكيمي، وارن زاير إيمري، وجواو نيفيس، ودخول لوكاس هيرنانديز، سيني مايولو، وفابيان رويز. هذه التغييرات حافظت على إيقاع اللعب المرتفع، حيث استمر باريس في الاستحواذ الذي وصل إلى 71%، مع دقة تمرير مذهلة بلغت 90% من إجمالي 714 تمريرة طوال اللقاء.
التبديلات واللمسات الأخيرة: حضور الشباب وخبرة العربي
لم يتوقف إنريكي عند هذا الحد، بل منح الفرصة للشاب إبراهيم مباي في الدقيقة 65 بدلاً من نجم المباراة كفاراتسخيليا، كما دخل برادلي باركولا بدلاً من ديمبيلي في الدقيقة 66. في المقابل، حاول خليلوزيتش إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأخرج مصطفى محمد ولويس ليروكس ليدفع بـ اجنيتيوس جاناجو ودهمين تابيبو عثماني. وفي الدقائق الأخيرة، ظهر المهاجم المغربي المخضرم يوسف العربي في صفوف نانت بدلاً من ماتيس أبلين، لكن الوقت كان قد فات، والجدار الباريسي ظل صامداً أمام المحاولات الخجولة للضيوف التي لم تتجاوز 3 تسديدات على المرمى من أصل 10 محاولات إجمالية.
التحليل الختامي: هيبة البطل وطريق اللقب
أثبت باريس سان جيرمان في هذه المباراة أنه فريق نضج تماماً تحت قيادة إنريكي. الإحصائيات تتحدث عن نفسها؛ 14 تسديدة باريسية و7 ركنيات تعكس الرغبة الهجومية المستمرة. التبديلات كانت ذكية وتوقيتها مثالياً، مما سمح للفريق بالسيطرة على وسط الملعب وإحباط أي محاولة لنانت للعودة. نانت، رغم محاولاته والروح التي أظهرها في بعض الفترات، اصطدم بواقع فني وتكتيكي يتفوق عليه بمراحل، ليبقى الفريق في مراكز متأخرة يعاني من شبح الهبوط.
بهذا الفوز العريض، يرفع باريس سان جيرمان رصيده إلى 69 نقطة، محلقاً وحيداً في الصدارة، ومرسلاً رسالة شديدة اللهجة لجميع منافسيه بأن لقب الدوري الفرنسي لن يغادر خزائن "بارك دي برانس" هذا الموسم. أما نانت، فعليه مراجعة حساباته سريعاً قبل فوات الأوان، فالأداء الذي قدمه اليوم لم يكن كافياً لمجاراة إعصار باريسي لا يرحم.

