سيمفونية في "بوليرت ديليليس": لانس يكتسح أنجيه بخماسية ويحكم قبضته على الصدارة
تحت أضواء ملعب "بوليرت ديليليس" الكاشفة، وبين أهازيج الجماهير التي لا تهدأ، عاش عشاق كرة القدم الفرنسية ليلة لم تكن مجرد مباراة في الدوري، بل كانت استعراضاً للقوة وعزفاً منفرداً لكتيبة "راسينج كلوب دي لانس". في مواجهة جمعت بين طموح الصدارة وإصرار البقاء، نجح لانس في تمزيق شباك ضيفه أنجيه بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد، في مباراة شهدت تفوقاً تكتيكياً كاسحاً للمدرب بيير ساج، الذي أثبت أن فريقه لا يكتفي بالانتصار، بل يسعى دائماً للإمتاع والإقناع.
بداية هادرة وإبداع "سعودي-فرنسي"
منذ صافرة البداية التي أطلقتها الحكمة الدولية ستيفاني فرابرت، كان من الواضح أن لانس دخل اللقاء برغبة جامحة في حسم الأمور مبكراً. لم تمضِ سوى ثلاث عشرة دقيقة حتى انفجر الملعب فرحاً؛ حيث انطلق الظهير الطائر سعود عبد الحميد في رواقه الأيمن، مرسلاً عرضية متقنة ارتقى لها المخضرم فلوران توفين، ليضعها ببراعة في الشباك معلناً الهدف الأول. هذا الهدف لم يكن مجرد افتتاحية، بل كان الشرارة التي أشعلت حماس لاعبي لانس وجعلت دفاع أنجيه في حالة من الارتباك الدائم.
استمر الضغط الهجومي لأصحاب الأرض، وبدا أن أنجيه، تحت قيادة مدربه أليكساندر دوجو، عاجز تماماً عن احتواء الطوفان الأصفر والأحمر. وفي الدقيقة الخامسة والعشرين، رد فلوران توفين الجميل لزملائه، ولكن هذه المرة بدور صانع الألعاب، حيث مرر كرة سحرية للمهاجم القناص اودسون ادوارد، الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني وسط ذهول مدافعي أنجيه الذين اكتفوا بمشاهدة الكرة وهي تعانق شباكهم.
وقبل أن يلملم الضيوف شتات أنفسهم، وقبل إطلاق صافرة نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة التاسعة والثلاثين، أرسل أدريان تومسون تمريرة حاسمة وضعت مامادو سنجارى في مواجهة المرمى، ليسجل الهدف الثالث ويطلق رصاصة الرحمة مبكراً على آمال الضيوف في العودة. انتهى الشوط الأول بتقدم لانس بثلاثية نظيفة، في مشهد جسد الفوارق الفنية الكبيرة بين الفريقين.
إعصار لانس يواصل الهبوب في الشوط الثاني
مع انطلاق الشوط الثاني، لم يهدأ إيقاع لانس رغم التبديل الذي أجراه بيير ساج بخروج صاحب الهدف الثالث سنجارى ودخول اندريا بولاتوفيتش لتنشيط خط الوسط. وفي الدقيقة الثامنة والأربعين، عاد اودسون ادوارد ليؤكد نجوميته المطلقة في هذا اللقاء، حيث قاد هجمة فردية رائعة، استخلص فيها الكرة وشق طريقه نحو المرمى ليسجل هدفه الشخصي الثاني والرابع لفريقه، معلناً عن "مهرجان أهداف" حقيقي في ليلة باريسية بامتياز.
حاول أنجيه حفظ ما وجهه، وأجرى مدربه عدة تبديلات، كان أبرزها دخول ليليان راوليسوا مكان لويس موتون. وبالفعل، آتت التبديلات ثمارها جزئياً في الدقيقة الثانية والستين، عندما نجح لانروي ماشين في تسجيل هدف أنجيه الوحيد بعد تمريرة من راوليسوا، وهو الهدف الذي صفق له الجمهور تقديراً للمجهود الفردي، رغم إدراك الجميع أن النتيجة قد حُسمت إكلينيكياً لصالح لانس.
تبديلات ذكية وهدف الختام
لم يترك لانس مجالاً للمنافس لالتقاط الأنفاس أو التفكير في تقليص الفارق أكثر، حيث أجرى بيير ساج تبديلات تكتيكية ذكية بدخول عبدالله سيما بدلاً من النجم توفين. ولم يحتج سيما سوى ثلاث دقائق ليضع بصمته، حيث مرر كرة عرضية في الدقيقة الثانية والسبعين، ارتقى لها المدافع المتقدم ماثيو اودول وحولها برأسه في المرمى مسجلاً الهدف الخامس، ليعيد الفارق إلى أربعة أهداف ويؤكد سيطرة لانس المطلقة على مجريات اللعب.
شهدت الدقائق الأخيرة سلسلة من التبديلات من الجانبين، حيث دفع مدرب أنجيه بماريوس كوركول ودان سينايت وجيبرين هارونا في محاولة يائسة لتغيير الواقع، بينما أدخل لانس اللاعب الشاب فودي سيلا بدلاً من تومسون لمنحه فرصة المشاركة في هذه الاحتفالية. ورغم المحاولات الخجولة من أنجيه في اللحظات الأخيرة، إلا أن دفاع لانس ظل صامداً ومنظماً خلف الحكمة ستيفاني فرابرت التي أدارت اللقاء باقتدار عالٍ، لتنتهي المباراة بفوز عريض ومستحق لراسينج كلوب دي لانس بنتيجة 5-1.
قراءة تكتيكية وما تعنيه النتيجة
يعكس هذا الانتصار العمل الكبير الذي يقوم به بيير ساج مع لانس؛ فالاعتماد على الأطراف، خاصة مع تألق سعود عبد الحميد، والقدرة على التحول السريع من الدفاع للهجوم، جعلت من لانس فريقاً لا يُقهر على ملعبه. الإحصائيات تتحدث عن نفسها، حيث رفع لانس رصيده إلى 59 نقطة في صدارة الترتيب، محققاً فوزه التاسع عشر هذا الموسم، وهو رقم يؤكد جديته في المنافسة على اللقب حتى الرمق الأخير.
في المقابل، تجمد رصيد أنجيه عند 32 نقطة في المركز الثاني عشر، ليبقى في المناطق الدافئة ولكن بعيداً عن طموحات المراكز الأوروبية. المباراة كشفت عن ثغرات دفاعية واضحة في منظومة أليكساندر دوجو، خاصة في التعامل مع الكرات العرضية والسرعات الهجومية، وهو ما سيحتاج لعمل كبير في الجولات القادمة لتفادي تكرار مثل هذه الهزائم القاسية.
ختاماً، غادرت جماهير لانس ملعب "بوليرت ديليليس" وهي تنشد أهازيج النصر، مدركة أن فريقها يمتلك كل المقومات لاعتلاء منصات التتويج. لم تكن مجرد ثلاث نقاط، بل كانت رسالة شديدة اللهجة لجميع المنافسين: لانس هنا، ولن يتنازل عن عرش الدوري الفرنسي بسهولة.

