زئير في "بوليرت ديليليس": لانس يكسر صمود نانت بهدف قاتل في ليلة فرنسية صاخبة
تحت أضواء ملعب بوليرت ديليليس التاريخية، وفي ليلة من ليالي الدوري الفرنسي التي تحبس الأنفاس، عاشت جماهير راسينج كلوب دي لانس فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً بين طموح "الدم والذهب" في الحفاظ على مركزهم المتقدم في وصافة الدوري، وبين استماتة نانت للهروب من شبح الهبوط الذي يطارد "الكناري" في المركز السابع عشر. انتهت الموقعة بفوز لانس بهدف نظيف، لكن خلف هذا الهدف قصة طويلة من الصبر والتكتيك والروح القتالية التي تجلت في الدقائق الأخيرة.
أجواء مشحونة وصراع الإرادات
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم ماتيو فيرنيس، كانت الأجواء في مدرجات لانس توحي بملحمة مرتقبة. الجماهير التي لم تتوقف عن الغناء رسمت لوحة فنية مهيبة، بينما كان المدرب الشاب بيير ساج يدرك أن مواجهة الثعلب العجوز وحيد خليلوزيتش لن تكون نزهة سهلة. نانت، رغم موقفه الصعب في جدول الترتيب، دخل اللقاء بتنظيم دفاعي صارم، معتمداً على إغلاق المساحات واللعب على المرتدات، مما جعل الدقائق الأولى تتسم بالحذر الشديد والالتحامات البدنية القوية.
بدأت المباراة بإيقاع سريع، وحاول لانس فرض أسلوبه منذ اللحظات الأولى، إلا أن التوتر كان سيد الموقف. في الدقيقة 15، اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب لانس عبدالله سيما بعد تدخل قوي، في إشارة واضحة إلى أن المباراة ستكون بدنية بامتياز. استمر الضغط من أصحاب الأرض، لكن دفاع نانت بقيادة أوروس راداكوفيتش كان بالمرصاد لكل المحاولات، مما زاد من إحباط لاعبي لانس الذين سقطوا في فخ التوتر مجدداً، ليتلقى اندريا بولاتوفيتش بطاقة صفراء ثانية لفريقه في الدقيقة 36.
الشوط الأول: جدار "الكناري" الصامد
انتهى الشوط الأول كما بدأ، سلبياً في النتيجة، لكنه كان غنياً بالصراعات الثنائية. لانس استحوذ على الكرة بنسبة كبيرة، وحاول تنويع اللعب عبر الأطراف، إلا أن لمسة الحسم غابت أمام المرمى. في المقابل، نجح خليلوزيتش في تسيير الشوط كما أراد، حيث امتص حماس الجماهير ولاعبي المنافس، وخرج بتعادل سلبي منحه الثقة في غرف الملابس بين الشوطين. كانت ملامح القلق بادية على وجه بيير ساج، الذي كان يعلم أن ضياع نقطتين على ملعبه قد يهدد طموحاته القارية.
الشوط الثاني: تبديلات قلبت الموازين
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى بيير ساج تغييراً هجومياً بدخول فلوريان سوتوكا بدلاً من ريان فوفانا في الدقيقة 46، في محاولة لضخ دماء جديدة في الخط الأمامي. استمر لانس في محاصرة نانت في منطقته، وتوالت التبديلات التكتيكية؛ فدخل روبن اجولار في الدقيقة 59 لتعزيز الجبهة اليمنى، ثم فودي سيلا في الدقيقة 65 بدلاً من أمادو حيدرا. نانت من جانبه بدأ يشعر بالضغط، مما دفع خليلوزيتش لإقحام علي يوسف المسراتي في الدقيقة 66، لكن الأخير سرعان ما حصل على بطاقة صفراء في الدقيقة 75 بعد محاولته إيقاف هجمة واعدة للانس.
وعندما ظن الجميع أن المباراة تتجه نحو تعادل محبط لأصحاب الأرض، جاءت اللحظة الفارقة في الدقيقة 79. في قرار جريء وموفق، دفع بيير ساج باللاعب سيدريك كبديل لعبدالله سيما، وفي نفس اللحظة التي وطأت فيها قدماه العشب، حدث الانفجار. ومن تمريرة ساحرة ومتقنة من اندريا بولاتوفيتش، الذي كفر عن بطاقته الصفراء بصناعة هدف ذهبي، استلم سيدريك الكرة وأودعها الشباك ببراعة، معلناً عن هدف التقدم في الدقيقة 79. اشتعلت مدرجات "بوليرت ديليليس" بجنون، حيث تحول الملعب إلى كتلة من اللهب والاحتفالات، بينما وقف خليلوزيتش مذهولاً من سرعة التحول.
اللحظات الأخيرة: حصار نانت واستبسال لانس
بعد الهدف، لم يكن أمام نانت ما يخسره. أجرى خليلوزيتش تبديلات هجومية انتحارية في الدقيقة 82، حيث دفع بالثلاثي مصطفى محمد، يوسف العربي، ولويس ليروكس، في محاولة لاقتناص تعادل غالي. تحولت المباراة في دقائقها الأخيرة إلى هجوم ضاغط من نانت ودفاع مستميت من لانس. رمى الضيوف بكل ثقلهم، واعتمدوا على الكرات الطويلة والعرصيات، لكن حارس لانس ودفاعه كانوا في قمة تركيزهم.
أضاف الحكم 5 دقائق وقت بدل ضائع، كانت بمثابة دهر على جماهير لانس. حاول نانت بكل قوته، وأجرى تبديلاً أخيراً بدخول دهمين تابيبو عثماني في الدقيقة 87، لكن صافرة ماتيو فيرنيس كانت أسرع، لتعلن نهاية الملحمة بفوز لانس بهدف نظيف. إحصائيات المباراة عكست السيطرة الميدانية للانس، حيث تفوقوا في الاستحواذ وعدد التسديدات، بينما اكتفى نانت بالدفاع المنظم الذي انهار في لحظة غفلة واحدة أمام مهارة البديل سيدريك.
خاتمة: لانس يواصل التحليق ونانت في خطر
هذا الفوز رفع رصيد راسينج كلوب دي لانس إلى 67 نقطة، معززاً مكانه في المركز الثاني ومواصلاً مطاردة الصدارة، ومؤكداً أن الفريق يمتلك الشخصية اللازمة للفوز حتى في أصعب الظروف. لقد أثبت بيير ساج أنه مدرب يمتلك رؤية ثاقبة، حيث كانت تبديلاته هي المفتاح لفك شفرة دفاع نانت الحصين. أما بالنسبة لـ نانت، فقد زادت هذه الخسارة من معاناته، حيث تجمد رصيده عند 23 نقطة في المركز السابع عشر، مما يضع الفريق في موقف حرج للغاية في صراع البقاء. لقد كانت ليلة للذكرى في لانس، ليلة أثبتت أن كرة القدم تُلعَب حتى الصافرة الأخيرة، وأن البدلاء قد يكونون أحياناً هم الأبطال الحقيقيين للرواية.

