ريمونتادا "الجدار الأصفر": بوروسيا دورتموند يقلب الطاولة على هامبورج في ليلة درامية
تحت أضواء ملعب "سيغنال إيدونا بارك" الأسطوري، وبين زئير أكثر من ثمانين ألف متفرج، عاش عشاق كرة القدم الألمانية فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في "البوندسليغا". لم تكن مواجهة بوروسيا دورتموند وضيفه هامبورج مجرد مباراة في جدول الدوري، بل كانت ملحمة كروية جسدت معنى الإصرار والعودة من بعيد، حيث تحول اليأس في المدرجات الصفراء إلى انفجار من الفرح الطاغي بعد فوز درامي لدورتموند بنتيجة 3-2، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة هذا الموسم.
صدمة البداية وإعصار هامبورج الهادئ
دخل بوروسيا دورتموند اللقاء بقيادة مدربه نيكو كوفاتش وهو يطمح لتعزيز وصافته للدوري، بينما جاء هامبورج تحت إمرة ميرلين بولزين بجرأة غير متوقعة. ومع إطلاق الحكم ماتياس يولينبيك لصافرة البداية، بدا أن الضيوف لم يأتوا للنزهة؛ ففي الدقيقة 19، صمت الملعب فجأة عندما استغل فيليب اوتيلي تمريرة حاسمة من زميله ويليام ميكلبرينسيس، ليسكن الكرة الشباك معلناً تقدم هامبورج بالهدف الأول.
حاول دورتموند الرد، لكن الضياع التكتيكي كان واضحاً، ليعود هامبورج ويضرب بقوة مرة أخرى في الدقيقة 38. هذه المرة، كان ألبرت لوكونجا هو البطل، بعدما تلقى تمريرة متقنة من فابيو فييرا، ليضاعف النتيجة وسط ذهول لاعبي دورتموند وجماهيرهم. وقبل أن يطلق الحكم صافرة نهاية الشوط الأول، حصل دورتموند على فرصة ذهبية لتقليص الفارق عبر ركلة جزاء، لكن فيليكس كالو نميتشا أهدرها في الدقيقة 45، ليخرج الفريق إلى غرف الملابس مثقلاً بجراح التأخر بهدفين ونكسة الركلة الضائعة.
ثورة كوفاتش والتبديلات التي غيرت وجه التاريخ
أدرك نيكو كوفاتش أن الاستمرار بنفس النهج يعني الانتحار الكروي، فقام مع بداية الشوط الثاني بتبديلات جريئة قلبت الموازين؛ حيث دفع بالنجم الجزائري رامي بن سبعيني والمهاجم القناص سيهرو جيوريسي بدلاً من لوكا ريجياني وكريم أديمي. بدأ دورتموند الشوط الثاني بضغط هائل، مستحوذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 69%، ومحاصراً هامبورج في مناطق جزائه.
استمر الضغط وتوالت الركنيات التي بلغت 10 لصالح أصحاب الأرض، حتى جاءت الدقيقة 73 التي كانت نقطة التحول الكبرى. حصل دورتموند على ركلة جزاء ثانية، انبرى لها المتخصص رامي بن سبعيني ببرود أعصاب يحسد عليه، واضعاً الكرة في الشباك ليعيد الروح لملعب "سيغنال إيدونا بارك".
إعصار دورتموند يكتسح كل شيء في 11 دقيقة
لم يكد هامبورج يستفيق من صدمة الهدف الأول، حتى جاء الإعصار. في الدقيقة 78، ومن هجمة منظمة عكست رغبة دورتموند الجامحة، نجح البديل سيهرو جيوريسي في تسجيل هدف التعادل، لتنفجر المدرجات فرحاً ويصبح الجدار الأصفر في حالة غليان. الضغط النفسي والبدني أرهق لاعبي هامبورج، مما أدى لحصول فيليب اوتيلي وويليام ميكلبرينسيس على بطاقات صفراء نتيجة التدخلات العنيفة لإيقاف المد الأصفر.
وفي الدقيقة 84، اكتملت "الريمونتادا" التاريخية؛ ركلة جزاء أخرى احتسبها يولينبيك، ومرة أخرى يقف رامي بن سبعيني وجهاً لوجه أمام حارس المرمى. وبثقة الكبار، سددها بنجاح معلناً الهدف الثالث لدورتموند والثاني له شخصياً، ليقلب الطاولة تماماً ويحول التأخر 0-2 إلى تقدم 3-2 في غضون 11 دقيقة فقط من الإثارة المطلقة.
الصمود الأخير وحصاد النقاط الثلاث
في الدقائق الأخيرة، حاول ميرلين بولزين إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر سلسلة من التبديلات، فدفع بجيان لوك دومبي وريان فيليب، لكن دفاع دورتموند بقيادة البدلاء والأساسيين صمد أمام المحاولات اليائسة. ورغم حصول جوليان ريرسون على بطاقة صفراء في الوقت بدل الضائع (90+4) نتيجة القتال على كل كرة، إلا أن صافرة النهاية أعلنت فوزاً ملحمياً لبوروسيا دورتموند.
تُظهر الإحصائيات الفارق الشاسع في السيطرة؛ حيث سدد دورتموند 23 تسديدة منها 7 على المرمى، مقابل 4 تسديدات فقط لهامبورج طوال المباراة. كما أن تمريرات دورتموند التي بلغت 520 تمريرة بدقة وصلت لـ 88%، تعكس الهيمنة التكتيكية التي فرضها الفريق في الشوط الثاني.
الخاتمة: انتصار الشخصية وطموح اللقب
بهذا الفوز الثمين، رفع بوروسيا دورتموند رصيده إلى 61 نقطة في المركز الثاني، مواصلاً مطاردة الصدارة ومثبتاً أنه يمتلك "شخصية البطل" التي ترفض الاستسلام مهما كانت الظروف. أما هامبورج، فبقي في مركزه الحادي عشر برصيد 30 نقطة، رغم الأداء البطولي الذي قدمه في الشوط الأول.
لقد كانت ليلة للذكرى في "سيغنال إيدونا بارك"، ليلة أثبتت أن كرة القدم لا تعترف بالنتائج إلا مع صافرة النهاية، وأن رامي بن سبعيني ورفاقه لديهم من الإرادة ما يكفي لهدم أي جدار من اليأس وبناء جسر نحو انتصار تاريخي سيظل حديث الصحافة الرياضية لأيام طويلة.


