جنون الراين: كولن وغالدباخ يكتبان ملحمة كروية في ليلة لا تُنسى
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم عادية تلك التي احتضنها ملعب "راين إينرجي ستاديون"، بل كانت فصلاً من فصول الروايات الكلاسيكية التي لا تُكتب إلا في ملاعب "البوندسليغا". في ظهيرة يوم من أيام مارس المتقلبة، وتحت أنظار أكثر من خمسين ألف متفرج حبست أنفاسهم طوال 95 دقيقة، قدم كولن وبوروسيا مونشنغلادباخ سيمفونية كروية انتهت بتعادل مثير بثلاثة أهداف لكل فريق، في مواجهة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق "ديربي الراين" لسنوات طويلة.
بداية عاصفة وصدمة لم تدم طويلاً
بمجرد أن أطلق الحكم سورين ستوركس صافرة البداية، وبينما كان الجمهور لا يزال يبحث عن مقاعده في المدرجات، اشتعل الملعب مبكراً. لم يكد عقرب الثواني يتم دورته الأولى حتى كان الضيوف يحتفلون؛ ففي الدقيقة الأولى، استغل ينس كاستروب تمريرة متقنة من زميله فرانك أونورا، ليسكن الكرة الشباك وسط ذهول مدافعي كولن. كانت صدمة مبكرة كفيلة بإرباك أي فريق، لكن "التيوس" كان لهم رأي آخر.
انتفض أصحاب الأرض بضراوة، ولم تمضِ سوى ثلاث دقائق حتى أعاد سعيد الملا الأمور إلى نصابها في الدقيقة الرابعة، مستفيداً من تمريرة حاسمة من إسحاق بيرجمان يوهانسون. لم يكتفِ كولن بالتعادل، بل استمر الإعصار الهجومي، وفي الدقيقة السابعة، ارتقى راجنار اتشي لعرضية ياكوب كامنسكي ليودعها المرمى، قالباً الطاولة تماماً ومشعلاً مدرجات ملعب "راين إينرجي" بصخب لا يوصف. عشر دقائق فقط كانت كفيلة برؤية ثلاثة أهداف، في سيناريو سينمائي لا يحدث كل يوم.
هدوء نسبي وعودة "المهرات"
بعد هذه البداية الانتحارية، حاول الفريقان التقاط الأنفاس، لكن بوروسيا مونشنغلادباخ، الملقب بـ "المهرات"، رفض الخروج من الشوط الأول متأخراً. في الدقيقة العشرين، نجح فيليب ساندر في تسجيل هدف التعادل الثاني لفريقه، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر. اتسمت بقية ردهات الشوط الأول بصراع بدني عنيف في وسط الملعب، تجلى في البطاقة الصفراء التي نالها يوهانسون في الدقيقة 38، لينتهي الشوط الأول بتعادل عادل وسط أجواء مشحونة بالترقب.
مع بداية الشوط الثاني، ارتفعت حدة التوتر، وبدأ الحكم ستوركس في إشهار البطاقات الملونة للسيطرة على الأجواب المشحونة، فكان الحارس مارفين شواب أول المنذرين في هذا الشوط عند الدقيقة 52. وفي ظل هذا الصراع، عاد ينس كاستروب ليثبت أنه نجم اللقاء الأول بالنسبة للضيوف، حيث سجل هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه في الدقيقة 60 بعد تمريرة من يانيك انجلهارد، واضعاً غالدباخ في المقدمة من جديد.
دراما الدقائق الأخيرة: بطل وتراجيديا
شعر مدرب كولن لوكاس كواسنيوك بضرورة التدخل، فأجرى سلسلة من التبديلات في الدقيقة 70 و77، مقحماً جان ثيلمان وفلوريان كاينز وجيان-لوكا والدشميدت لضخ دماء جديدة في عروق الهجوم. المباراة تحولت إلى "معركة حربية" كروية، حيث انهالت البطاقات الصفراء على لاعبي كولن (كامنسكي، أوزكجار، مارتيل، وثيلمان) في غضون دقائق معدودة، وسط ضغط جماهيري هائل يطالب بالتعادل.
وفي الدقيقة 84، انفجر الملعب فرحاً حين نجح إريك مارتيل في اقتناص هدف التعادل القاتل برأسية متقنة بعد عرضية من البديل الناجح فلوريان كاينز. لكن الفرحة لم تكتمل لمارتيل؛ فبعد دقيقتين فقط من هدفه التاريخي، تلقى البطاقة الحمراء (إنذار ثانٍ) في الدقيقة 86، ليترك فريقه يكمل الدقائق الأخيرة بعشرة لاعبين. كانت لحظة درامية بامتياز، حيث تحول مسجل هدف الإنقاذ إلى غائب عن اللحظات الحاسمة.
صمود تحت الحصار وصراع التكتيك
حاول مدرب غالدباخ يوجين بولانسكي استغلال النقص العددي، فأجرى تبديلات دفاعية وهجومية متأخرة بإشراك هوغو بولين ومارفين فريدريتش وشوتو ماشينو، لكن دفاع كولن استبسل أمام مرماه. الإحصائيات تعكس شراسة المواجهة، حيث انتهت المباراة بـ 10 بطاقات ملونة (9 صفراء وواحدة حمراء)، مما يوضح حجم الندية والالتحامات القوية التي شهدها العشب الأخضر.
مرت الدقائق الخمس المحتسبة كوقت بدل ضائع كأنها دهر على جماهير الفريقين. روكو ريتيز من غالدباخ نال إنذاراً في الدقيقة 90، وتبعه فلوريان كاينز في الدقيقة 91، في إشارة واضحة إلى أن أحداً لم يكن مستعداً للتنازل عن النقطة حتى الرمق الأخير.
الخاتمة: نقطة بطعم الانتصار وصراع البقاء
صافرة النهاية أعلنت تقاسم النقاط في واحدة من أجمل مباريات الموسم. بالنسبة لـ كولن، فإن هذا التعادل يرفع رصيده إلى 26 نقطة في المركز الخامس عشر، وهو تعادل بطعم الانتصارات بالنظر إلى العودة مرتين في النتيجة واللعب بنقص عددي في الدقائق الأخيرة. أما بوروسيا مونشنغلادباخ، فقد رفع رصيده إلى 29 نقطة في المركز الثاني عشر، في مباراة أثبت فيها قدرته الهجومية العالية لكنه عانى دفاعياً أمام إصرار "التيوس".
خرجت الجماهير من الملعب وهي تدرك أنها لم تشاهد مجرد مباراة، بل عاشت تجربة عاطفية متكاملة، حيث تداخلت فيها الفرحة بالخيبة، والبطولة بالانكسار، لتؤكد "البوندسليغا" مرة أخرى أنها المسرح الأمثل للدراما الكروية الخالصة.


