إعصار شتوتجارت يكتسح ليفركوزن في ليلة تألق ديميروفيتش وأونداف
في ليلةٍ لم تهدأ فيها أصوات الجماهير، وتحت أضواء ملعب مرسيدس بينز أرينا المتوهجة، شهد عشاق الدوري الألماني ملحمة كروية حقيقية جمعت بين الطموح الجامح لشتوتجارت والخبرة العريقة لباير ليفركوزن. لم تكن مجرد مباراة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً على الهيبة وإثبات الذات، انتهى بانتصارٍ مستحق ومثير لأصحاب الأرض بنتيجة 3-1، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة أنصار "الفيفبي".
بداية صاعقة وصدمة لم تدم طويلاً
لم يكد الحكم روبرت شرودر يطلق صافرة البداية، حتى خيم الصمت على أرجاء الملعب. وفي الدقيقة الأولى تماماً، ومن هجمة منسقة بدأت بلمحة فنية من كريستيان كوفاني، وصلت الكرة إلى أليكس جارسيا الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن تقدم مبكر لكتيبة المدرب كاسبير هيولماند. كانت البداية كابوسية لشتوتجارت، لكنها كانت الوقود الذي أشعل حماس اللاعبين.
لم يستسلم رجال المدرب سباستيان هونيس، بل انتفضوا كالمارد. وفي الدقيقة الخامسة، ومن تمريرة حاسمة ومتقنة من نيكولاس نارتي، انقض القناص ارميدين ديميروفيتش على الكرة كالصقر، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر بهدف تعادل أشعل المدرجات من جديد. كانت الدقائق الأولى تلخيصاً لمتعة "البوندسليجا"؛ سرعة، إثارة، وأهداف لا تنتظر أحداً.
دراما "الفار" ومنعطف المباراة قبل الاستراحة
استمر السجال بين الفريقين، حيث حاول ليفركوزن السيطرة على وسط الملعب من خلال الاستحواذ، بينما اعتمد شتوتجارت على الهجمات المرتدة السريعة والضغط العالي. ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، بلغت الإثارة ذروتها. في الدقيقة الرابعة بعد التسعين، تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتنصف أصحاب الأرض وتمنحهم ركلة جزاء في وقت قاتل.
انبرى ماكسيميليان ميتلشتيت لتنفيذ الركلة، وفي الدقيقة السابعة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، وضع الكرة بثقة وهدوء في المرمى، معلناً تقدم شتوتجارت بهدف ثانٍ قلب الطاولة تماماً قبل الذهاب إلى غرف الملابس. هذا الهدف لم يكن مجرد إضافة رقمية، بل كان ضربة معنوية قاصمة لخطط هيولماند ولاعبيه.
تقلبات الشوط الثاني وحسم "أونداف"
دخل شتوتجارت الشوط الثاني برغبة واضحة في إنهاء الأمور مبكراً. وبالفعل، سجل ديميروفيتش هدفاً ثالثاً في الدقيقة 46، لكن تدخل "الفار" مرة أخرى ألغى الهدف بداعي وجود خطأ أو تسلل، مما أعاد الأمل لليفركوزن. إلا أن هذا الأمل اصطدم بواقعية شتوتجارت المذهلة في التحولات الهجومية.
في الدقيقة 58، ومن مجهود رائع وتمريرة ذكية من جيمي لويلينج، استلم النجم دنيز أونداف الكرة وبلمسة فنية راقية أسكنها الشباك، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثالث. هذا الهدف جعل المهمة شبه مستحيلة على الضيوف، الذين بدت عليهم علامات الإرهاق وعدم القدرة على مجاراة الإيقاع السريع الذي فرضه أصحاب الأرض.
تبديلات تكتيكية وصراع الدقائق الأخيرة
حاول كاسبير هيولماند تدارك الموقف عبر سلسلة من التبديلات، فأخرج أليكس جارسيا ومونتريال كوليربيس، ودفع بأسماء مثل مالك تيلمان وارثر لإضفاء الحيوية على خط الوسط. وفي المقابل، كان سباستيان هونيس ذكياً في تسيير الدقائق الأخيرة، حيث أشرك تياجو توماس وبلال الخنوس للحفاظ على توازن الفريق ومنع ليفركوزن من العودة.
اتسمت الدقائق العشر الأخيرة بالتوتر والالتحامات القوية، مما اضطر الحكم روبرت شرودر لإشهار البطاقة الصفراء في وجه كريس فوهريتش من شتوتجارت في الدقيقة 80. ولم تخلُ الدقيقة السابعة من الوقت الضائع في الشوط الثاني من المناوشات، حيث نال كل من تياجو توماس وإيزيكيل بالاسيوس إنذارين نتيجة الاحتكاك البدني الزائد، في إشارة واضحة إلى مدى حدة التنافس حتى الثواني الأخيرة.
تحليل فني: تفوق كاسح بلغة الأرقام
رغم أن نسبة الاستحواذ كانت متقاربة جداً (49% لشتوتجارت مقابل 51% لليفركوزن)، إلا أن الفاعلية كانت تميل بوضوح لجانب "الفيفبي". شتوتجارت سدد 20 تسديدة إجمالية منها 9 على المرمى، في حين اكتفى ليفركوزن بـ 6 تسديدات فقط، منها 5 بين القائمين والعارضة. هذا الفارق الشاسع في المحاولات الهجومية يعكس النجاح التكتيكي للمدرب هونيس في اختراق دفاعات الخصم.
كما لعبت الركلات الركنية دوراً في الضغط المتواصل، حيث تحصل كل فريق على 6 ركنيات، لكن شتوتجارت كان الأكثر استغلالاً للمساحات والعرضيات التي بلغت 21 عرضية. التزام لاعبي شتوتجارت بالواجبات الدفاعية والروح القتالية ظهر جلياً في عدد الأخطاء المرتكبة (13 خطأ) لإيقاف مفاتيح لعب ليفركوزن، مما ضمن لهم الخروج بنقاط المباراة كاملة.
الخاتمة: شتوتجارت يثبت أقدامه في المربع الذهبي
بهذا الفوز العريض، رفع شتوتجارت رصيده إلى 61 نقطة، معززاً مركزه الرابع في جدول الترتيب ومقترباً أكثر من ضمان مقعد في دوري أبطال أوروبا للموسم المقبل. أما باير ليفركوزن، فقد تجمد رصيده عند 58 نقطة في المركز السادس، ليدخل في حسابات معقدة في الجولات المتبقية.
لقد كانت مباراة بعنوان "الإرادة والتركيز"، حيث أثبت شتوتجارت أنه يمتلك الشخصية اللازمة للعودة بعد التأخر، والقدرة على تسيير المباريات الكبرى بذكاء. ومع صافرة النهاية، احتفل اللاعبون مع جماهيرهم الوفية في ملحمة كروية جسدت روعة الدوري الألماني وتقلباته المثيرة، مؤكدين أن "مرسيدس بينز أرينا" سيظل حصناً منيعاً أمام كبار القوم.


