كلاسيكو القمة والقاع: الأهلي يروض الدراويش بثنائية في ليلة سكندرية
تحت أضواء استاد برج العرب الكاشفة، وفي ليلة من ليالي الدوري المصري الممتاز "دوري نايل"، تجدد الصراع التاريخي بين الأهلي المصري وخصمه العنيد الإسماعيلي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول المسابقة، بل كانت ملحمة كروية يسعى فيها "المارد الأحمر" لتأكيد سطوته ومطاردة الصدارة، بينما يصارع "دراويش القناة" لاستعادة كبريائهم والهروب من دوامة النتائج السلبية. انتهت المواجهة بفوز أهلاوي مستحق بهدفين دون رد، في لقاء شهد تفوقاً تكتيكياً واضحاً للمدرب جيس توروب على نظيره طارق العشري.
هدير المدرجات وصراع العقول فوق العشب الأخضر
منذ اللحظات الأولى التي سبقت صافرة الحكم محمود وفا، كانت الأجواء في الإسكندرية مشحونة بالترقب. الجماهير التي ملأت جنبات الاستاد رسمت لوحة فنية تعكس قيمة هذا الكلاسيكو. دخل الأهلي المباراة وهو يحتل المركز الثالث برصيد 27 نقطة، طامحاً للوصول إلى النقطة الثلاثين، بينما دخل الإسماعيلي اللقاء وهو في وضع لا يحسد عليه، متذيلاً لجدول الترتيب في المركز الحادي والعشرين، مما جعل المباراة بالنسبة له مسألة حياة أو موت رياضي.
بدأت المباراة بجس نبض بين الفريقين، حيث حاول طارق العشري إغلاق المساحات أمام مفاتيح لعب الأهلي، معتمداً على دفاع المنطقة والتحولات السريعة. في المقابل، فرض لاعبو الأهلي سيطرتهم على وسط الملعب، محاولين اختراق الحصون الصفراء عبر الأطراف والكرات البينية المتقنة، وسط توجيهات مستمرة من جيس توروب الذي لم يهدأ على خط التماس.
بن رمضان يفتتح التسجيل وزلزال في حصون الدراويش
ومع مرور الوقت، بدأ الضغط الأحمر يزداد وطأة على دفاعات الإسماعيلي. وفي الدقيقة 31، جاءت اللحظة التي انتظرها عشاق القميص الأحمر؛ حيث استغل النجم التونسي محمد علي بن رمضان ثغرة في الدفاع الأصفر، ليسكن الكرة الشباك ببراعة، معلناً عن الهدف الأول ومفجراً صرخات الفرح في المدرجات. هذا الهدف غير مجرى المباراة تماماً، حيث اضطر الإسماعيلي للخروج من مناطقه الدفاعية بحثاً عن التعادل.
توترت الأجواء قليلاً بعد الهدف، مما دفع الحكم محمود وفا لإشهار البطاقة الصفراء في وجه حسين الشحات في الدقيقة 36 نتيجة تدخل قوي. ولم يمض وقت طويل حتى نال مروان حمدي مهاجم الإسماعيلي بطاقة صفراء أخرى في الدقيقة 41، في محاولة منه للضغط على مدافعي الأهلي، لكن الرعونة والتوتر غلبا على أداء الضيوف.
بن شرقي يصنع ومارعي يعزز التفوق قبل الاستراحة
بينما كان الجميع ينتظر صافرة نهاية الشوط الأول، أطلق الأهلي رصاصة الرحمة الثانية. ففي الدقيقة 43، أظهر النجم المغربي أشرف بن شرقي لمحة فنية ساحرة، حيث مرر كرة عرضية متقنة ارتقى لها المدافع ياسين مرعي ليضعها في المرمى، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. دخل لاعبو الأهلي غرف الملابس بمعنويات مرتفعة، بينما كان الوجوم يسيطر على وجوه لاعبي الإسماعيلي ومدربهم طارق العشري.
شوط التبديلات وصمود المارد الأحمر
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول طارق العشري تدارك الموقف سريعاً، فأجرى تبديله الأول بخروج محمد عبدالسميع ودخول إبراهيم عبد العال لتنشيط الجبهة الهجومية. إلا أن الأهلي ظل مسيطراً على الإيقاع بفضل خبرة لاعبيه. وفي الدقيقة 58، تلقى محمد شكري بطاقة صفراء نتيجة تعطيل اللعب، مما جعل المباراة تزداد إثارة بدنية في وسط الميدان.
بدأ جيس توروب في الدقيقة 69 عملية تدوير اللاعبين للحفاظ على المخزون البدني، فدفع بـ محمد شريف ويوسف بلعمري بدلاً من محمد شكري ويلسين كامويش. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل عزز وسط ميدانه بدخول مروان عطية بدلاً من حسين الشحات في الدقيقة 70. هذه التبديلات أغلقت كل المنافذ أمام محاولات الإسماعيلي الخجولة، حيث دفع العشري بـ محمد كونتا بدلاً من محمد حسن في الدقيقة 72، لكن دون جدوى حقيقية أمام صلابة الدفاع الأهلاوي.
الدقائق الأخيرة.. توتر وبطاقات ملونة
شهدت الربع ساعة الأخيرة من اللقاء صراعاً بدنياً كبيراً. أجرى الأهلي تبديلاً بدخول كريم فؤاد بدلاً من محمد هاني في الدقيقة 74، بينما حاول الإسماعيلي ضخ دماء جديدة بدخول أنور عبدالسلام بدلاً من مروان حمدي في الدقيقة 81. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، اشتعلت الأعصاب، مما أدى لحصول طاهر محمد طاهر على بطاقة صفراء في الدقيقة 83، وتبعه الحارس المخضرم محمد الشناوي ببطاقة صفراء في الدقيقة 84 نتيجة اعتراضه على أحد قرارات الحكم.
في الدقيقة 89، قرر توروب منح الراحة لأشرف بن شرقي، رجل المهمات الصعبة، ليدفع بالشاب أحمد نبيل كوكا لتأمين النتيجة وضبط إيقاع الدقائق الأخيرة. استمر اللعب في وسط الميدان مع محاولات يائسة من الدراويش لتقليص الفارق، حتى أطلق محمود وفا صافرة النهاية بعد 5 دقائق من الوقت بدل الضائع، معلناً فوز الأهلي بنقاط المباراة الثلاث.
تحليل فني: كيف حسم الأهلي المعركة؟
لقد كانت المباراة درساً في الواقعية الكروية؛ فالأهلي عرف كيف يستغل أنصاف الفرص في الشوط الأول ليحسم الأمور مبكراً. أشرف بن شرقي كان المحرك الأساسي للعمليات الهجومية، بينما قدم محمد علي بن رمضان مباراة تكتيكية من طراز رفيع. في المقابل، عانى الإسماعيلي من غياب التركيز في اللمسة الأخيرة ومن أخطاء دفاعية كلفت الفريق الكثير، رغم محاولات مروان حمدي في الشوط الأول.
الإحصائيات تشير إلى تفوق الأهلي في الاستحواذ والقدرة على استعادة الكرة سريعاً، وهو ما جعل الإسماعيلي يبدو عاجزاً عن بناء هجمات منظمة. التبديلات التي أجراها توروب كانت في توقيتات مثالية، حيث حافظت على توازن الفريق ومنعت أي انتفاضة محتملة للضيوف.
الخلاصة: الأهلي يحلق في الثالث والإسماعيلي في خطر
بهذا الفوز، رفع الأهلي المصري رصيده إلى 30 نقطة من 15 مباراة، محتلاً المركز الثالث ومثبتاً أقدامه في صراع المربع الذهبي، معززاً سجله بـ 8 انتصارات و6 تعادلات وهزيمة وحيدة. أما الإسماعيلي، فقد تجمد رصيده عند 10 نقاط فقط في المركز الحادي والعشرين، لتزداد الضغوط على طارق العشري وإدارة النادي في ظل نزيف النقاط المستمر، حيث تلقى الفريق هزيمته الثانية عشرة هذا الموسم.
لقد أثبتت هذه المباراة أن العراقة وحدها لا تكفي في كرة القدم الحديثة، بل لابد من التخطيط والهدوء الفني، وهو ما جسده الأهلي فوق عشب برج العرب، ليخرج فائزاً في ليلة أكدت أن "النسر الأحمر" لا يزال قادراً على التحليق بعيداً مهما بلغت قوة المنافس.


