زلزال في السويس: الجونة يروض طموح المصري بهدف "صامويل" في ليلة درامية
تحت أضواء ستاد السويس الجديد الكاشفة، وفي ليلة كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، نجح فريق الجونة في انتزاع فوز ثمين وشاق على حساب شقيقه المصري البورسعيدي بهدف نظيف، ضمن منافسات دوري نايل المصري. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت ملحمة تكتيكية تجلت فيها روح الإصرار الساحلي، حيث استطاع أبناء المدرب احمد مصطفي بيبو الصمود أمام طوفان بورسعيدي قاده الداهية التونسي نبيل الكوكي، لتنتهي المواجهة بفرحة عارمة للجونة وخيبة أمل لرفاق بورسعيد الذين سيطروا ميدانياً لكنهم افتقدوا للنجاعة الهجومية.
أجواء ما قبل الصدام: صراع المراكز تحت سماء السويس
دخل الفريقان أرض الملعب وعينهما على النقاط الثلاث؛ المصري البورسعيدي الذي يحتل المركز الخامس برصيد 32 نقطة، كان يسعى للزحف نحو المربع الذهبي وتأكيد جدارته كأحد القوى الضاربة هذا الموسم، بينما دخل الجونة اللقاء وهو في المركز الثامن برصيد 28 نقطة، طامحاً في تحسين موقعه والاقتراب أكثر من مناطق النخبة. كانت الأجواء في ستاد السويس الجديد مشحونة بالترقب، وصافرة الحكم وائل فرحان كانت كفيلة بإطلاق شرارة معركة كروية اتسمت بالندية العالية منذ الدقيقة الأولى، وسط توقعات بمباراة هجومية مفتوحة نظراً للقوة الهجومية التي يتمتع بها الطرفان.
الشوط الأول: صراع بدني وضجيج "الفار" الصامت
بدأت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول المصري فرض أسلوبه المعتاد من خلال الاستحواذ على الكرة وتدويرها في وسط الملعب، معتمداً على دقة تمريرات لاعبيه التي وصلت نسبتها الإجمالية في اللقاء إلى 83.85%. ومع مرور الوقت، بدأت الالتحامات البدنية تزداد خشونة، مما اضطر الحكم وائل فرحان للتدخل لضبط الأمور. وفي الدقيقة 42، اشتعلت الأجواء حينما أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه كل من محمد مخلوف من المصري وعمر الجزار من الجونة نتيجة اشتباك بدني، في إشارة واضحة إلى أن أحداً لن يتنازل عن شبر واحد من الملعب.
وفي الدقيقة 43، اهتزت الشباك لأول مرة؛ حيث أرسل كريم بامبو تمريرة سحرية وضعت محمد مخلوف في مواجهة المرمى ليسكنها الشباك، وسط احتفالات جنونية من دكة بدلاء المصري. لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً، إذ تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتقلب الطاولة وتلغي الهدف، معيدة المباراة إلى نقطة الصفر وسط حسرة بورسعيدية وصدمة بدت واضحة على وجه المدرب نبيل الكوكي، لينتهي الشوط الأول بتعادل سلبي خيم عليه التوتر والترقب.
الشوط الثاني: لدغة "صامويل" التي غيرت المسار
مع انطلاق الشوط الثاني، لم يمهل الجونة ضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه. وفي الدقيقة 51، ومن هجمة منظمة اتسمت بالسرعة والدقة، نجح احمد جمال في صناعة فرصة ذهبية بعرضية متقنة ارتقى لها المهاجم أوجو صامويل، ليودعها الشباك ببراعة معلناً عن هدف التقدم للجونة. هذا الهدف فجر بركاناً من الحماس في صفوف أصحاب الأرض، وأربك حسابات المصري الذي وجد نفسه متأخراً رغم أفضليته في الاستحواذ التي وصلت إلى 58% بنهاية اللقاء.
رد فعل المصري كان سريعاً من خارج الخطوط، حيث أجرى نبيل الكوكي سلسلة من التبديلات الهجومية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. في الدقيقة 63، غادر محمد الشامى ليدخل بدلاً منه منذر تيمين، وتبعه في الدقيقة 64 خروج كل من مصطفى زيدان وكريم بامبو ودخول الثنائي الخطير عبدالرحيم دغموم وصلاح محسن. هذه التغييرات زادت من الضغط البورسعيدي، وتعددت الركنيات والمحاولات، لكن دفاع الجونة كان سداً منيعاً أمام كل المحاولات.
تكتيك "بيبو" وإدارة الدقائق الحرجة
أدرك احمد مصطفي بيبو أن الضغط سيزداد، فبدأ في إجراء تبديلات تكتيكية لضخ دماء جديدة في خطوطه الدفاعية والوسطى. في الدقيقة 77، أجرى الجونة تبديلاً ثلاثياً بخروج صاحب الهدف أوجو صامويل، والقائد نور السيد، وأليو جاتا، ودخول محمد عماد عبدالقادر، رضا صلاح، والفا توراي. هذا التغيير ساهم في إغلاق المساحات أمام مفاتيح لعب المصري، وحرمهم من استغلال الكرات العرضية التي بلغت 12 عرضية لكل فريق خلال المباراة.
الدقائق العشر الأخيرة كانت حبسًا للأنفاس، حيث رمى المصري بكل ثقله، وأشرك عمر الساعي بدلاً من محمد مخلوف في الدقيقة 73، لكن الفعالية غابت عن "النسور الخضر". وبالرغم من أن المصري سدد 4 كرات على المرمى مقابل 3 للجونة، إلا أن اليقظة الدفاعية لأصحاب الأرض كانت هي الكلمة العليا. وفي الوقت المحتسب بدل الضائع، وتحديداً في الدقيقة 90+4، خرج احمد جمال ليدخل علي الزهدي في تبديل استهلاكي للوقت، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوزاً تاريخياً للجونة.
التحليل الختامي: فوز الإرادة على الاستحواذ
كشفت الإحصائيات عن مباراة كانت فيها السيطرة للمصري، لكن النجاعة كانت للجونة. فبالرغم من تفوق المصري في عدد التمريرات (421 تمريرة مقابل 301 للجونة)، إلا أن الجونة كان الأكثر جرأة في المحاولات الإجمالية بـ 13 تسديدة. المباراة شهدت انضباطاً تكتيكياً عالياً، حيث ارتكب لاعبو الجونة 10 أخطاء لإيقاف خطورة الخصم، بينما وقع لاعبو المصري في 8 أخطاء فقط.
هذا الفوز رفع رصيد الجونة إلى 31 نقطة، ليقفز قفزة هائلة في جدول الترتيب ويؤكد أنه رقم صعب في الدوري هذا الموسم، بينما تجمد رصيد المصري عند 32 نقطة، ليدخل في مرحلة مراجعة الحسابات بعد خسارة نقاط كانت في المتناول. لقد أثبتت المباراة أن كرة القدم لا تعترف دائماً بمن يمتلك الكرة أكثر، بل بمن يعرف كيف يضعها في الشباك ويحافظ على نظافة عرينه حتى اللحظة الأخيرة.


