ديربي "عروس المتوسط": الاتحاد السكندري يقتنص فوزاً ثميناً من أنياب سموحة
تحت أضواء الكشافات التي تعانق سماء الإسكندرية، وفي قلب ملعبها التاريخي الذي شهد فصولاً لا تُنسى من تاريخ الكرة المصرية، تجدد الصراع على زعامة "عروس المتوسط". لم تكن المواجهة بين الاتحاد السكندري وضيفه سموحة مجرد مباراة في إطار الجولة السابعة عشرة من دوري نايل المصري، بل كانت ملحمة تكتيكية وجماهيرية، انتهت بفوز "سيد البلد" بهدف نظيف، ليرسم البسمة على وجوه الآلاف من عشاق القميص الأخضر في ليلة سكندرية خالصة.
أجواء ما قبل المعركة: صخب المدرجات ورائحة التحدي
منذ الساعات الأولى التي سبقت صافرة البداية، كان ستاد الإسكندرية يغلي كمرجل من الحماس. الجماهير السكندرية التي لا تقبل بغير الفوز بدأت في ملء المدرجات، مرددة الأهازيج التي توارثتها الأجيال. على الدكة الفنية، كان تامر مصطفى، مدرب الاتحاد، يدرك أن الفوز هو السبيل الوحيد للخروج من نفق النتائج المتذبذبة، بينما دخل أحمد عبدالعزيز، مدرب سموحة، اللقاء وعينه على تعزيز موقعه في المربع الذهبي، مستنداً إلى سجل فريقه القوي في المباريات الأخيرة.
التوقعات كانت تشير إلى مباراة مغلقة، فالإحصائيات تضع سموحة في المركز السادس برصيد 25 نقطة، بينما كان الاتحاد يصارع في المركز الخامس عشر برصيد 17 نقطة، وهو ما جعل الضغط النفسي يثقل كاهل لاعبي "زعيم الثغر" منذ اللحظة الأولى.
الشوط الأول: صراع بدني ودراما "الفار"
أطلق الحكم صبحي العمراوي صافرة البداية، لتشتعل المعركة في وسط الملعب. اتسم اللعب في الدقائق الأولى بالتحفظ الشديد والالتحامات القوية. وفي الدقيقة 23، كادت النيران الصديقة أن تمنح الاتحاد التقدم عندما أخطأ مدافع سموحة محمد دبش في التعامل مع كرة عرضية لتسكن شباك فريقه، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف، مما أثار موجة من الاحتجاجات في المدرجات الخضراء وهدوءاً مؤقتاً في معسكر سموحة.
التوتر انعكس على أداء اللاعبين، فظهرت البطاقات الصفراء مبكراً؛ حيث نال كريم الديب إنذاراً في الدقيقة 27 نتيجة تدخل خشن، وتبعه زميله أبوبكر ليادي في الدقيقة 38. لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي، مع أفضلية نسبية في الاستحواذ لسموحة، لكن دون خطورة حقيقية على المرميين.
الشوط الثاني: تبديلات القدر ورصاصة الرحمة
مع انطلاق الشوط الثاني، بدأ المدربان في تحريك قطع الشطرنج. دفع أحمد عبدالعزيز باللاعب يوسف عفيفي بدلاً من عبد الرحمن عامر في محاولة لتنشيط الوسط، لكن الاتحاد كان أكثر إصراراً. وفي الدقيقة 50، نال مهاجم سموحة البابا بادجي بطاقة صفراء زادت من تعقيد الأمور على فريقه.
نقطة التحول الحقيقية جاءت في الدقيقة 66، عندما قرر تامر مصطفى الدفع بالورقة الرابحة عبدالرحمن مجدي بدلاً من أبوبكر ليادي. لم يكن مجدي يحتاج للكثير من الوقت ليثبت قيمته؛ ففي الدقيقة 76، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل محمود دونجا تمريرة حاسمة "أسيست" وضعت عبدالرحمن مجدي في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك، مفجراً بركاناً من الفرحة في المدرجات. ولم يكد مجدي ينتهي من احتفاله حتى نال بطاقة صفراء في الدقيقة 77، لكنها كانت "بطاقة الفرح" التي لا تهم مقارنة بقيمة الهدف.
تكتيك اللحظات الأخيرة: استبسال أخضر وضغط أزرق
حاول سموحة العودة في النتيجة بكل قوته، وأجرى سلسلة من التبديلات الهجومية في الدقيقة 80 بدخول حسام أشرف وعبده يحيى، لكن دفاع الاتحاد كان بالمرصاد. وفي المقابل، عزز تامر مصطفى دفاعاته وخط هجومه المشاكس بدخول فادى فريد بدلاً من النجم مابولولو في الدقيقة 81، ثم جون إيبوكا بدلاً من يسري وحيد الذي نال إنذاراً قبل خروجه مباشرة في الدقيقة 82.
الدقائق الأخيرة شهدت استبسالاً دفاعياً كبيراً من لاعبي الاتحاد، خاصة بعد دخول محمود عماد بدلاً من محمد مجدي أفشة في الدقيقة 86 لتأمين منطقة المناورات. ورغم احتساب الحكم صبحي العمراوي لسبع دقائق وقت بدل ضائع، إلا أن النتيجة ظلت صامدة أمام محاولات سموحة اليائسة.
الخاتمة: الاتحاد يستعيد بريقه في ليلة الديربي
بهذه النتيجة، رفع الاتحاد السكندري رصيده إلى 17 نقطة من 17 مباراة، محققاً فوزه الخامس هذا الموسم، وهو فوز يزن ذهباً لأنه جاء في "الديربي" وأمام منافس قوي مثل سموحة. هذه الثلاث نقاط ليست مجرد رقم في جدول الترتيب، بل هي جرعة ثقة هائلة للاعبين وللمدرب تامر مصطفى قبل المواجهات القادمة.
أما سموحة، فقد تجمد رصيده عند 25 نقطة في المركز السادس، ليتلقى خسارته الرابعة هذا الموسم في توقيت حرج. لقد أثبتت المباراة أن مباريات الديربي لا تعترف بالمراكز أو الإحصائيات المسبقة، بل تعترف فقط بمن يمتلك الروح القتالية والقدرة على استغلال الفرص أنصاف الفرص. غادرت الجماهير الخضراء الملعب وهي تردد "سيد البلد.. الاتحاد"، بعد أن عاشت ليلة كروية ستبقى عالقة في الأذهان طويلاً.


