إعصار سموحة يجتاح ضفاف القناة.. ليلة سقط فيها البنك الأهلي تحت وطأة الطموح السكندري
تحت أضواء ستاد هيئة قناة السويس الكاشفة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات دوري نايل المصري، شهد عشاق الساحرة المستديرة ملحمة كروية لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً لإثبات الذات واستعادة الهيبة. دخل سموحة اللقاء مثقلاً بجراح أربع هزائم متتالية، بينما سعى البنك الأهلي لمواصلة صحوته الأخيرة، لكن صافرة الحكم إبراهيم محمد كانت إيذاناً بانطلاق قصة مغايرة تماماً، انتهت بفوز عريض للفريق السكندري بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في ليلة تجلت فيها الروح القتالية والبراعة التكتيكية.
بداية صاعقة وهدير سكندري في قلب الإسماعيلية
لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم، فمنذ الدقيقة الأولى ظهرت نوايا المدرب أحمد عبدالعزيز الهجومية واضحة. وفي الدقيقة الحادية عشرة، ومن جملة تكتيكية اتسمت بالسرعة والدقة، أرسل هشام حافظ تمريرة حريرية اخترقت حصون البنك الأهلي، لتجد المتربص سمير فكري الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات "الموج الأزرق" وبث القلق في دكة بدلاء المدرب ايمن الرمادي.
حاول لاعبو البنك الأهلي استعادة توازنهم، لكن التوتر بدأ يتسلل إلى الأداء، وهو ما تجسد في البطاقة الصفراء التي نالها أحمد مدبولي في الدقيقة 28 نتيجة التدخلات العنيفة، قبل أن يرد عليه صاحب الهدف سمير فكري بإنذار مماثل في الدقيقة 31. كانت المباراة تغلي فوق صفيح ساخن، والالتحامات البدنية القوية كانت سيدة الموقف، مما عكس حجم الضغوط الملقاة على عاتق الفريقين في جدول ترتيب الدوري.
منعرج المباراة.. صدمة "سيمبوري" ولدغة "سامادو"
بينما كان البنك الأهلي يبحث عن ثغرة للعودة، جاءت الدقيقة الأربعون لتعمق الجراح؛ حيث استطاع أتيدجيكو سامادو ببراعة فائقة أن يضيف الهدف الثاني لسموحة، واضعاً فريقه في موقف مريح تقنياً ونفسياً. ولكن الدراما الحقيقية لم تبدأ بعد، ففي الدقيقة 42، اهتزت أركان الملعب بقرار حاسم من الحكم إبراهيم محمد، الذي أشهر البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء في وجه سعيدو سيمبوري في دقيقة واحدة، ليترك فريقه يصارع النقص العددي أمام خصم منتشٍ بالأهداف.
تحرك ايمن الرمادي بسرعة البرق في الدقيقة 43 في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى تبديلين دفعة واحدة بخروج أحمد النادري والمنقوص سيمبوري، ودفع بـ سيد عبدالله وصلاح عبد التواب بوشامه لإعادة ضبط الإيقاع الدفاعي. وفي الوقت الذي ظن فيه الجميع أن الشوط سينتهي بثنائية نظيفة، منح القدر قبلة الحياة للبنك الأهلي في الدقيقة 45+2، عندما أخطأ حارس سموحة احمد ميهوب وسجل هدفاً عكسياً في مرماه، ليقلص الفارق إلى 2-1 ويشعل شرارة الأمل من جديد قبل الاستراحة.
رصاصة الرحمة وتأكيد التفوق السكندري
مع انطلاق الشوط الثاني، دفع الرمادي بورقته الهجومية الرابحة أحمد ياسر ريان بدلاً من احمد امين اوفا، طمعاً في استغلال الاندفاع البدني وتحقيق التعادل. لكن طموحات البنك الأهلي اصطدمت بواقع مرير في الدقيقة 51، عندما عاد المتألق سمير فكري ليصنع الفارق مجدداً، مرسلاً تمريرة حاسمة لزميله خالد الغندور الذي أسكن الكرة في المرمى، محرزاً الهدف الثالث الذي كان بمثابة "رصاصة الرحمة" على آمال العودة لأصحاب الأرض.
أحكم سموحة قبضته على وسط الملعب، وبدأ المدرب أحمد عبدالعزيز في إدارة المباراة بذكاء، حيث أجرى سلسلة من التبديلات بدأت بدخول احمد فوزي في الدقيقة 58، ثم دفع بـ محمد رجب وحسام أشرف في الدقيقة 77 لتنشيط الجبهات الهجومية واستنزاف قوى المنافس. في المقابل، بدا البنك الأهلي تائهاً رغم محاولات كريم عادل الذي دخل في الدقائق الأخيرة، حيث غابت الفاعلية الهجومية أمام دفاع سكندري صلب ومنظم لم يترك مساحة للصدفة.
رؤية فنية: كيف حسم "الموج الأزرق" الموقعة؟
بالنظر إلى الإحصائيات وسير الأحداث، نجد أن سموحة تفوق بفضل استغلاله الأمثل للفرص المتاحة والتحول السريع من الدفاع للهجوم. كان سمير فكري هو "رجل المباراة" بلا منازع، بتسجيله هدفاً وصناعته لآخر، بينما شكل طرد سعيدو سيمبوري نقطة تحول سلبية قصمت ظهر البنك الأهلي تكتيكياً، مما أجبرهم على التراجع الدفاعي رغم حاجتهم للتسجيل. التبديلات التي أجراها سموحة في الدقيقة 83 بدخول يوسف عفيفي وايمانويل ايهيزو أكدت رغبة الفريق في الحفاظ على رتم المباراة الهادئ وقتل أي محاولة للبنك الأهلي لتقليص الفارق.
تميزت المباراة أيضاً بالندية العالية، حيث لم يتردد الحكم في إشهار البطاقات الملونة للسيطرة على الأجواء المشحونة، وهو ما ظهر في إنذارات هشام حافظ وأحمد أمين أوفا. لقد كانت مباراة التفاصيل الصغيرة التي رجحت كفة الفريق الأكثر تركيزاً وهدوءاً أمام المرمى.
خاتمة: سموحة يستعيد بريقه والبنك الأهلي في دائرة المراجعة
بهذه النتيجة، قفز سموحة إلى المركز السادس برصيد 28 نقطة، ليكسر سلسلة الهزائم المريرة ويعلن عن عودته القوية للمنافسة على المربع الذهبي، مستفيداً من الروح الجماعية التي ظهر بها الفريق. أما البنك الأهلي، فقد تجمد رصيده عند 25 نقطة في المركز التاسع، ليدخل الفريق في مرحلة مراجعة الحسابات، خاصة فيما يتعلق بالانضباط داخل الملعب والتعامل مع الغيابات المؤثرة.
لقد كانت ليلة للذكرى في ستاد هيئة قناة السويس، ليلة أثبتت أن كرة القدم المصرية لا تعترف إلا بالعطاء والجهد الوفير طوال الـ 90 دقيقة. غادر لاعبو سموحة الملعب برؤوس مرفوعة، حاملين معهم ثلاث نقاط غالية من قلب الإسماعيلية، بينما بقي البنك الأهلي يبحث عن إجابات لأسئلة الصمود التي طرحتها المباراة ولم يجد لها حلاً تحت وطأة الإعصار السكندري.


