الأهلي يروض ذئاب الجبل في ليلة تألق تريزيجيه وعاشور
تحت أضواء الكشافات الساطعة في استاد المقاولون العرب، وبصافرة الحكم محمد التابعي الغازي، دارت رحى معركة كروية لم تكن مجرد مباراة في دوري نايل المصري، بل كانت فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في الملاعب المصرية. دخل النادي الأهلي اللقاء وعينه على النقاط الثلاث لمواصلة زحفه نحو قمة الجدول، بينما استنفر "ذئاب الجبل" قواهم للهروب من مناطق الخطر، لينتهي المشهد بانتصار أحمر مستحق بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، في ليلة حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة.
بداية حذرة وطعنة الإصابة المبكرة
لم تكد تمر الدقائق الأولى حتى خيم الهدوء المشوب بالحذر على أرجاء الملعب، حيث حاول كل مدرب فرض أسلوبه؛ جيس توروب برغبته في الاستحواذ، وسامي قمصان بتنظيمه الدفاعي الصارم. لكن الدقيقة التاسعة حملت خبراً سيئاً للجماهير الحمراء، حين سقط الظهير الطائر كريم فؤاد مصاباً، ليضطر لمغادرة الميدان وسط مؤازرة زملائه، ويدفع المدرب باللاعب أحمد عيد كبديل اضطراري أعاد ترتيب الأوراق الدفاعية للأهلي مبكراً.
وعلى الرغم من هذا التغيير المفاجئ، لم يفقد الأهلي توازنه، بل بدأ تدريجياً في إحكام قبضته على وسط الملعب بفضل تحركات إمام عاشور ومروان عطية، بينما اعتمد المقاولون على المرتدات السريعة التي كان يقودها جواكيام اوجيرا، والذي نال لاحقاً بطاقة صفراء في مطلع الشوط الثاني نتيجة حماسه الزائد.
تريزيجيه يفتتح السيمفونية الحمراء
في الدقيقة الخامسة والثلاثين، ومن جملة تكتيكية رائعة تعكس قيمة الموهبة، أرسل إمام عاشور تمريرة سحرية وضعت النجم تريزيجيه في مواجهة المرمى، وبلمسة فنان يسكنها الشباك معلناً عن الهدف الأول للأهلي. هذا الهدف أشعل المدرجات وبث الحيوية في أقدام لاعبي المارد الأحمر الذين أنهوا الشوط الأول متقدمين في النتيجة ومسيطرين على مجريات اللعب، وسط محاولات خجولة من أصحاب الأرض للعودة.
دراما "الفار" وصراع البدلاء
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل المقاولون العرب بروح مختلفة، وفي الدقيقة الحادية والخمسين اهتزت الشباك الحمراء بهدف من احمد ولد باهيه، احتفل معه عشاق الذئاب طويلاً، لكن تقنية الفيديو (VAR) كانت لها كلمة أخرى، حيث تدخل الحكم لإلغاء الهدف بداعي وجود مخالفة، لتبقى النتيجة على حالها وتزداد المباراة اشتعالاً. أجرى سامي قمصان تبديلاً بدخول إبراهيم القاضى بدلاً من إسلام عبدالله لترميم الدفاع، بينما رد توروب بسلسلة تبديلات هجومية كان أبرزها دخول أشرف بن شرقي ومحمد علي بن رمضان.
ولم يتأخر تأثير البدلاء كثيراً، ففي الدقيقة الحادية والسبعين، ومن لمسة أولى رائعة للوافد الجديد أشرف بن شرقي، صنع هدفاً نموذجياً لزميله إمام عاشور الذي لم يتوانَ عن إيداع الكرة المرمى، معززاً تقدم الأهلي بهدف ثانٍ بدا وكأنه رصاصة الرحمة على آمال المقاولون.
انتفاضة "سالم" ورصاصة الشحات القاتلة
لم يستسلم ذئاب الجبل، وأجرى قمصان تبديلات هجومية مكثفة بدخول محمد سالم، شكري نجيب، ومجدي كهربا. وبالفعل، آتت هذه التغييرات ثمارها في الدقيقة الخامسة والثمانين، عندما نجح محمد سالم في تقليص الفارق بتسجيله هدفاً رائعاً بعد تمريرة متقنة من محمد عادل، ليشتعل الملعب من جديد وتصبح الدقائق الأخيرة عبارة عن ضغط متواصل من المقاولون ودفاع مستميت من الأهلي.
وفي الوقت الذي ظن فيه الجميع أن المباراة قد تنتهي بهدفين لهدف، ظهر البديل حسين الشحات في الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع (90+5)، ليستغل هجمة مرتدة سريعة ويضع الكرة في الشباك، منهياً أحلام المقاولون تماماً. ولم تنتهِ الإثارة عند هذا الحد، بل شهدت الدقيقة التاسعة بعد التسعين (90+9) إشهار البطاقة الحمراء في وجه لاعب المقاولون مصطفي جمال، لتنتهي المباراة وسط أجواء صاخبة.
تحليل تكتيكي وخلاصة الموقعة
كانت التبديلات هي كلمة السر في هذا اللقاء؛ فبينما حاول سامي قمصان تنشيط هجومه بالدفع بمحمد سالم الذي سجل بالفعل، نجح جيس توروب في إدارة أوراقه بذكاء، حيث صنع بن شرقي هدفاً وسجل الشحات هدفاً آخر. الأهلي أظهر شخصية البطل في امتصاص حماس الخصم، بينما عانى المقاولون من غياب التركيز في اللحظات الحاسمة، خاصة بعد إلغاء هدف التعادل الذي كان نقطة تحول كبرى في سير المباراة.
بهذا الفوز الثمين، رفع الأهلي رصيده إلى 40 نقطة مستقراً في المركز الثالث مع مباريات مؤجلة قد تقفز به للصدارة، بينما تأزمت وضعية المقاولون العرب في المركز السابع عشر برصيد 18 نقطة، ليبقى صراع البقاء هو العنوان الأبرز لمسيرته القادمة. لقد كانت مباراة أثبتت أن الدوري المصري لا يعترف بالأسماء بقدر ما يعترف بالجهد المبذول حتى آخر ثانية من عمر اللقاء.


