زئير بورسعيدي في برج العرب: المصري يحسم "ديربي القناة" بثنائية في شباك الإسماعيلي
تحت أضواء كاشفة شهدت على فصول رواية كروية مثيرة، احتضن استاد برج العرب بالإسكندرية ملحمة جديدة من ملاحم "ديربي القناة" العريق، حيث التقى المصري البورسعيدي بشقيقه الإسماعيلي في مواجهة لم تكن مجرد مباراة في دوري نايل المصري، بل كانت صراعاً على الهوية والكبرياء. وفي ليلة تجلت فيها الروح القتالية لنسور بورسعيد، نجح أبناء المدرب نبيل الكوكي في انتزاع فوز ثمين بهدفين دون رد، ليعمقوا جراح "دراويش" الكرة المصرية الذين يعانون في مؤخرة الجدول، ويؤكدوا تفوقهم الفني في واحدة من أكثر مباريات الموسم إثارة وندية.
أجواء مشحونة وطموحات متباينة
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم مصطفى الشهدي، كانت الأجواء في الملعب تشي بمباراة خارج التوقعات؛ فالمصري دخل اللقاء وهو يحتل المركز الخامس برصيد 32 نقطة، طامحاً في الزحف نحو المربع الذهبي، بينما كان الإسماعيلي، تحت قيادة مدربه خالد جلال، يبحث عن طوق نجاة ينتشله من المركز الحادي والعشرين المتأخر. كانت النظرات في أعين اللاعبين تحكي قصة صراع مرير، فالإسماعيلي الذي تجرع مرارة الخسارة في 15 مباراة سابقة هذا الموسم، لم يكن يملك رفاهية التفريط في أي نقطة، بينما كان المصري يسعى لاستغلال عاملي الأرض والجمهور المعنوي لتحقيق انتصاره الثامن في المسابقة.
الشوط الأول: صمود الدراويش ولدغة "محسن" القاتلة
بدأت المباراة بحذر تكتيكي شديد، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان مع محاولات خجولة لاختراق الدفاعات الحصينة. وفي الدقيقة 33، ظهرت أولى علامات التوتر عندما أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه لاعب المصري عبدالرحيم دغموم بعد تدخل قوي، وكأنها كانت الشرارة التي أشعلت فتيل الإثارة. وبينما كان الجميع يستعد للذهاب إلى غرف الملابس بنتيجة بياضية، وفي الأنفاس الأخيرة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع وتحديداً في الدقيقة 45+3، أرسل "دغموم" تمريرة سحرية اخترقت دفاعات الإسماعيلي، ليجد القناص صلاح محسن نفسه وجهاً لوجه مع المرمى، فلم يتوانَ في إيداع الكرة الشباك، مفجراً فرحة عارمة في المدرجات ومنحاً فريقه تقديماً معنوياً هائلاً قبل نهاية الشوط الأول.
تحولات تكتيكية وصراع البطاقات الملونة
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول خالد جلال تدارك الموقف بإجراء تبديل مبكر بدخول حاتم محمد سكر بدلاً من عبدالله محمد، لكن "سكر" لم يكد يلمس الكرة حتى تلقى بطاقة صفراء في الدقيقة 47، مما زاد من الضغوط على كاهل الضيوف. استمر السجال الفني، وبدأت ملامح التعب تظهر على اللاعبين، مما دفع المدربين لإجراء سلسلة من التغييرات؛ فدفع الإسماعيلي بمحمد خطاري وإبراهيم النجعاوي وأنور عبدالسلام في محاولة لإنعاش الهجوم، بينما رد نبيل الكوكي بتبديلات ذكية كان أبرزها دخول كريم بامبو في الدقيقة 76 بدلاً من منذر تيمين، وهو التغيير الذي سيقلب الموازين لاحقاً.
اللحظات الأخيرة ورصاصة الرحمة
اتسمت الدقائق العشر الأخيرة بالخشونة والتوتر العالي، حيث سعى المصري للحفاظ على تقدمه بأي ثمن، مما كلف لاعبيه عميد صوافطة وخالد صبحي بطاقتين صفراوين في الدقيقتين 89 و90+1 على التوالي. وفي الوقت الذي رمى فيه الإسماعيلي بكل ثقله للأمام بحثاً عن تعادل قاتل، ومن هجمة مرتدة منظمة قادها البديل الناجح، استلم كريم بامبو تمريرة متقنة من أحمد أيمن منصور في الدقيقة 90+6، ليراوغ ببراعة ويسكن الكرة في الزاوية البعيدة، مطلقاً "رصاصة الرحمة" على آمال الإسماعيلي ومؤكداً فوز المصري بالنقاط الثلاث.
قراءة فنية: التبديلات هي كلمة السر
أثبتت المباراة أن دكة بدلاء المصري كانت هي الورقة الرابحة؛ فدخول كريم بامبو لم يكن لمجرد سد خانة، بل كان لتعزيز الفاعلية الهجومية في وقت كان الإسماعيلي يعاني فيه من اندفاع بدني غير محسوب. ورغم أن الإحصائيات تشير إلى تقارب في الاستحواذ، إلا أن المصري كان الأكثر واقعية بـ 29 هدفاً سجلها طوال الموسم حتى الآن، مقابل دفاع هش للإسماعيلي استقبل 28 هدفاً. نجح نبيل الكوكي في قراءة المباراة تكتيكياً، بينما استمرت معاناة خالد جلال في إيجاد حلول للعقم الهجومي الذي جعل فريقه يسجل 11 هدفاً فقط في 20 مباراة.
الخاتمة: المصري يحلق والإسماعيلي يغرق
بهذه النتيجة، رفع المصري البورسعيدي رصيده إلى 35 نقطة، معززاً مكانته في المناطق الدافئة ومقترباً أكثر من صراع القمة، بينما تجمد رصيد الإسماعيلي عند 11 نقطة في المركز قبل الأخير، لتصبح مأمورية البقاء في "دوري نايل" غاية في الصعوبة. لقد كانت ليلة بورسعيدية خالصة في قلب الإسكندرية، برهن فيها المصري على أن الروح الجماعية والتركيز حتى الثانية الأخيرة هما مفتاح الانتصارات الكبرى، بينما غادر الإسماعيلي الملعب محملاً بالهموم، بانتظار معجزة تعيد "برازيل مصر" إلى سابق عهدهم.


