زلزال في قمم أبها: "كيسيه" يقود الأهلي لعبور فخ ضمك في ليلة دراما الـ VAR
تحت غطاء من السحب الكثيفة التي عانقت قمم جبال عسير، وفي أجواء مشحونة بالترقب والآمال، احتضن استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية ملحمة كروية لم تكن مجرد مباراة في ثلاث نقاط، بل كانت صراعاً بين طموح "ضمك" في إثبات الذات وعنفوان "الأهلي" الساعي لترسيخ صدارته. في ليلة تجلت فيها قسوة التكنولوجيا وجماليات التكتيك، نجح "الراقي" في العودة بانتصار ثمين بهدف نظيف، في مواجهة ستبقى محفورة في ذاكرة مشجعي الفريقين بسبب تقلباتها الدراماتيكية التي حبست الأنفاس حتى الصافرة الأخيرة للحكم فيصل البلوي.
بداية صاعقة وقرار صامت
لم يكد الجمهور يلتقط أنفاسه مع إطلاق صافرة البداية، حتى اشتعلت المدرجات في الدقيقة الثانية بصرخة فرح لم تكتمل؛ حيث استطاع مورلاي سيلا هز شباك الأهلي مبكراً جداً، معلناً عن تقدم "فارس الجنوب". لكن الفرحة سرعان ما تحولت إلى ترقب قلق، قبل أن يتدخل "VAR" ليلغي الهدف ويُعيد المباراة إلى نقطة الصفر. هذه اللحظة كانت بمثابة جرس إنذار لكتيبة المدرب ماتياس يايسله، الذي أدرك أن المهمة في أبها لن تكون نزهة سهلة أمام فريق يقوده المحنك فابيو كاريلى.
بدأت المباراة تأخذ طابعاً بدنياً قوياً، حيث احتدم الصراع في منطقة العمليات، مما أجبر الحكم على التدخل وإشهار البطاقة الصفراء في وجه جمال حركاس عند الدقيقة 32، ثم تبعها إنذار آخر لصاحب الهدف الملغي مورلاي سيلا في الدقيقة 36. هذه التوترات كانت تعكس الرغبة الجامحة لكل طرف في فرض سيطرته، وبينما كان ضمك يحاول استغلال عاملي الأرض والجمهور، كان للأهلي رأي آخر في سيناريو الشوط الأول.
الرصاصة العاجية تخرق الصمت
في الدقيقة 37، ومن جملة تكتيكية اتسمت بالدقة والسرعة، أرسل المدافع روجر إيبانيز تمريرة حاسمة وضعت النجم الإيفواري فرانك كيسيه في موقف مثالي. وبلمسة فنان يدرك قيمة الشباك، أودع كيسيه الكرة في المرمى، معلناً عن الهدف الأول والوحيد للأهلي. هذا الهدف لم يغير النتيجة فحسب، بل غير الحالة النفسية للاعبي الأهلي الذين بدأوا في تسيير اللعب بهدوء أكبر، معتمدين على خبرة نجومهم في امتصاص حماس أصحاب الأرض.
شوط المدربين وصراع النفس الأخير
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل ضمك بضغط عالٍ محاولاً تعديل الكفة، مستحوذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 59%، في محاولة لمحاصرة الأهلي في مناطقه. ومع حلول الدقيقة 65، تلقى زكريا هوساوي بطاقة صفراء، مما دفع يايسله لإجراء تبديلات تكتيكية للحفاظ على التوازن، فدفع بـ فراس البريكان بدلاً من إنزو ميلو في الدقيقة 76 لزيادة الفعالية الهجومية المرتدة.
من جانبه، حاول كاريلى إنقاذ الموقف عبر سلسلة من التبديلات الهجومية، حيث أشرك جوناثان أوكيتا ومحمد الصلخدي ونواف الصعدي. اشتعلت المباراة في دقائقها العشر الأخيرة، وتوترت الأعصاب بشكل لافت، حيث نال علي مجرشي بطاقة صفراء في الدقيقة 85، قبل أن يقرر يايسله إجراء تغييرات دفاعية شاملة في الدقيقة 88 بخروج رياض محرز وزكريا هوساوي وعلي مجرشي، ودخول صالح أبو الشامات وزياد الجهني ومحمد عبدالرحمن لتأمين المناطق الخلفية أمام المد الهجومي لضمك.
دراما الدقائق المجنونة وقسوة الـ VAR مجدداً
وصلت الإثارة إلى ذروتها في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، ففي الدقيقة الرابعة بعد التسعين (90+4)، انفجر الملعب مرة أخرى عندما سجل ياكو ميتي هدف التعادل لضمك بعد صناعة متقنة من فالنتين فادا. ركض لاعبو ضمك للاحتفال بنقطة ثمينة، لكن "لعنة" التكنولوجيا عادت لتضربهم من جديد؛ فبعد مراجعة تقنية الفيديو، قرر الحكم إلغاء الهدف بداعي وجود مخالفة، ليعم الصمت أرجاء الملعب إلا من صرخات الفرح الأهلاوية التي أدركت أن الفوز بات قاب قوسين أو أدنى. ولم تنتهِ الدراما عند هذا الحد، بل نال ياكو ميتي بطاقة صفراء في الدقيقة 98 نتيجة الاحتجاج، لتنتهي المباراة وسط أجواء عاصفة.
تحليل فني: الفعالية تهزم الاستحواذ
رغم أن لغة الأرقام تشير إلى تفوق ضمك في الاستحواذ وتمرير الكرة (312 تمريرة مقابل 223 للأهلي)، إلا أن الأهلي كان الأكثر واقعية بـ 3 تسديدات على المرمى من أصل 6 محاولات. دفاع الأهلي أظهر صلابة كبيرة بقيادة إيبانيز، بينما عانى ضمك من غياب اللمسة الأخيرة الحاسمة، رغم وصوله المتكرر لمناطق الجزاء. التبديلات المتأخرة ليايسله كانت بمثابة "جدار برلين" الذي تحطمت عليه طموحات ضمك في الدقائق الأخيرة، مما منح الأهلي نقاطاً قد تكون الأهم في مسيرته نحو اللقب.
الخاتمة: الأهلي يغرد في القمة
بهذا الانتصار الشاق، رفع الأهلي رصيده إلى 56 نقطة معززاً موقعه في المركز الأول، ليؤكد أنه يسير بخطى ثابتة نحو استعادة الأمجاد. أما ضمك، فرغم الأداء البطولي والروح القتالية، فقد تجمد رصيده عند 15 نقطة في المركز السادس عشر، لكنه كسب احترام الجميع بمجاراته للمتصدر حتى الرمق الأخير. لقد كانت ليلة "أبهاوية" بامتياز، أثبتت أن دوري روشن السعودي لا يعترف بالأسماء، بل بالعطاء فوق المستطيل الأخضر وبما تقرره "عين التكنولوجيا" التي كانت النجم الأول في هذا اللقاء المثيرة.


