خماسية النصر في بريدة: إعصار "العالمي" يجتاح طموحات النجمة
تحت أضواء استاد مدينة الملك عبدالله الرياضية ببريدة، وفي ليلة شتوية من ليالي فبراير، كان الصمت يلف أرجاء الملعب قبل أن يكسره هدير الجماهير التي ترقبت مواجهة داود وجالوت في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت استعراضاً للقوة، وفصلاً جديداً من فصول هيمنة المتصدر على مجريات البطولة. دخل النصر اللقاء وعينه على تعزيز صدارته، بينما كان النجمة يمني النفس بمعجزة كروية تنتشله من قاع الترتيب، لكن الواقع على العشب الأخضر كان له رأي آخر، حيث انتهت الحكاية بخماسية نظيفة دون رد، رسمت ملامح ليلة لن تنساها جماهير بريدة.
بداية عاصفة وصافرة لم تتأخر
لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض سوى دقائق معدودة لترتيب أوراقهم. فمنذ الدقيقة الأولى، بدا واضحاً أن كتيبة المدرب البرتغالي خورخي خيسوس جاءت لتنهي الأمور مبكراً. وفي الدقيقة السادسة، ارتكب المدافع عبدالله أحمد هوساوي خطأً فادحاً داخل منطقة الجزاء كلفه بطاقة صفراء وأهدى النصر ركلة جزاء. انبرى للكرة الأسطورة كريستيانو رونالدو، وبكل هدوء الواثق، أرسل الكرة إلى الشباك في الدقيقة 7، معلناً عن افتتاح مهرجان الأهداف. هذا الهدف المبكر كان بمثابة "صدمة كهربائية" بعثرت حسابات مدرب النجمة نيستور الماسترو، الذي وجد فريقه متأخراً قبل أن يبدأ جس النبض.
استمر الضغط النصراوي وسط محاولات خجولة من النجمة لامتصاص الحماس الأصفر، وشهدت الدقائق التالية معركة بدنية في وسط الملعب، أسفرت عن بطاقة صفراء للنجم السنغالي ساديو ماني في الدقيقة 26، تبعتها مباشرة بطاقة مماثلة للاعب النجمة عبد العزيز الحربي. كانت الأجواء مشحونة، والتوتر يسود جنبات الملعب، لكن النصر كان يعرف طريق المرمى جيداً بفضل تحركات مارسيلو بروزوفيتش الذي كان يضبط إيقاع المباراة ببراعة فائقة.
سيمفونية الشوط الأول: كومان ومارتينيز يعززان التفوق
في الدقيقة 31، تجلت عبقرية بروزوفيتش الذي أرسل تمريرة حاسمة "على طبق من ذهب" للمهاجم الفرنسي كينغسلي كومان، الذي لم يتوانَ عن وضعها في الشباك مسجلاً الهدف الثاني. زادت المتاعب على كاهل النجمة عندما اضطر الحارس فيكتور براجا لمغادرة الملعب في الدقيقة 38 للإصابة، تاركاً مكانه للحارس البديل وليد العنزى. لم يكد العنزي يستقر في عرينه حتى باغته المدافع المتقدم انيجو مارتينيز برأسية متقنة في الدقيقة 42، لينتهي الشوط الأول بتقدم مريح للنصر بثلاثية نظيفة، وسط ذهول لاعبي النجمة الذين بدوا تائهين أمام سرعة وتناغم الهجوم النصراوي.
الشوط الثاني: ماني يضرب والتبديلات تمنح النفس الجديد
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول الماسترو إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إجراء تبديلات مزدوجة بدخول محمد آل فتيل وهشام حسين آل دبيس، لكن "الإعصار الأصفر" لم يهدأ. وفي الدقيقة 52، ومن جملة تكتيكية رائعة، مرر كريستيانو رونالدو كرة ذكية لزميله ساديو ماني، الذي أودعها المرمى ببراعة، محرزاً الهدف الرابع ومؤكداً على التفاهم الكبير بين نجوم العالمي.
بعد الاطمئنان التام على النتيجة، قرر خورخي خيسوس إراحة ركائزه الأساسية في الدقيقة 57، حيث أجرى تبديلاً ثلاثياً دفعة واحدة بخروج رونالدو وماني وجواو فيليكس، ودخول عبدالله الحمدان، عبد الرحمن غريب، وايمن يحيى. هذا التغيير لم يقلل من خطورة النصر، بل منح الفريق طاقة وحيوية إضافية في ربع الساعة الأخير، بينما كان حكم اللقاء ماجد الشمراني يدير المباراة باقتدار، متابعاً كل تفاصيل التدخلات القوية التي تزايدت مع شعور لاعبي النجمة بالإحباط.
مسك الختام وتأكيد الهيمنة
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة 80، عاد المدافع الهداف انيجو مارتينيز ليوقع على هدفه الشخصي الثاني والخامس لفريقه، بعد تمريرة حريرية من البديل الناجح عبد الرحمن غريب. هذا الهدف كان بمثابة "رصاصة الرحمة" التي أنهت أي أمل للنجمة في تقليص الفارق، ليعلن الحكم الشمراني بعد دقائق من الوقت بدل الضائع عن نهاية اللقاء بفوز نصراوي كاسح.
تحليل تكتيكي: فوارق شاسعة وسطوة مطلقة
أثبتت الإحصائيات الفوارق الكبيرة بين الفريقين؛ فالنصر الذي حقق فوزه الـ 19 في الموسم، أظهر نضجاً تكتيكياً كبيراً وقدرة على تنويع اللعب بين العمق والأطراف. تألق بروزوفيتش في صناعة اللعب، وتحركات كومان وماني، كانت مفاتيح اللعب التي عجز دفاع النجمة عن التعامل معها. في المقابل، عانى النجمة من غياب التركيز في التغطية الدفاعية، وتأثر كثيراً بالهدف المبكر الذي سجله رونالدو، مما جعله يندفع للأمام ويترك مساحات شاسعة استغلها الضيوف بذكاء.
كانت تبديلات خيسوس في الشوط الثاني ذكية للغاية، حيث حافظ على ريتم المباراة عالياً مع إعطاء فرصة للاعبين البدلاء للمشاركة، وهو ما يظهر عمق التشكيلة النصراوية وقدرتها على المنافسة في كافة الجبهات. أما النجمة، فرغم محاولات بلال بوتوبا وماجد دوران بعد دخولهما، إلا أن الجدار الدفاعي للنصر بقي صامداً، ليخرج الحارس النصراوي بشباك نظيفة في ليلة هادئة له.
الخلاصة: الصدارة في مأمن والقاع يغلي
بهذا الفوز العريض، رفع النصر رصيده إلى 58 نقطة، محكماً قبضته على صدارة دوري روشن السعودي، وموجهاً رسالة شديدة اللهجة لجميع منافسيه بأنه لن يتنازل عن اللقب بسهولة. أما النجمة، فقد تجمد رصيده عند 8 نقاط في المركز الثامن عشر والأخير، لتزداد وضعيته تعقيداً في صراع البقاء، حيث بات الفريق بحاجة إلى انتفاضة حقيقية في الجولات القادمة لتفادي الهبوط.
غادرت جماهير النصر الملعب وهي تتغنى بأسماء نجومها، بينما بقي لاعبو النجمة على أرضية الميدان يراجعون حسابات ليلة قاسية، أثبتت أن الفوارق الفنية والبدنية لا تزال شاسعة في دوري يضم نخبة من أفضل لاعبي العالم.


