ريمونتادا الحزم.. دراما "الرس" تكتب فصلاً جديداً من الإثارة في دوري روشن
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي دوري روشن السعودي، احتضن ملعب نادي الحزم بالرس ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت قصة صمود، إخفاق، ثم عودة مذهلة من بعيد. نجح الحزم في قلب الطاولة على ضيفه ضمك، محولاً تأخره بهدف إلى فوز ثمين بنتيجة 2-1، في مواجهة ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق "حزم الصمود" لما شهدته من تقلبات دراماتيكية لا تحدث إلا في عالم الساحرة المستديرة.
أجواء مشحونة وترقب في معقل الحزم
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم عبدالله زريان، كانت الأجواء في مدرجات ملعب الرس توحي بأننا أمام مواجهة كسر عظم. الحزم، الذي يقوده المدرب جلال قادري، دخل اللقاء وعينه على النقاط الثلاث للهروب من مناطق الخطر، بينما سعى "فارس الجنوب" بقيادة مدربه أرماندو ايفانجليستا لتصحيح المسار. كانت التوقعات تشير إلى مباراة تكتيكية مغلقة، لكن ما حدث على أرضية الميدان تجاوز كل السيناريوهات المتوقعة، حيث بدأت الإثارة مبكراً باضطرار مدرب الحزم لإجراء تبديل اضطراري في الدقيقة 14 بخروج ميجيل كارفاليو ودخول نواف الحبشي، مما أنبأ بمباراة مليئة بالتحديات البدنية والذهنية.
شوط ركلات الجزاء الضائعة والتوتر المشتعل
بدأ الشوط الأول بضغط مكثف من أصحاب الأرض، وفي الدقيقة 34، حصل الحزم على فرصة ذهبية لافتتاح التسجيل عبر ركلة جزاء. انبرى لها النجم فابيو مارتينز، لكنه أهدرها وسط ذهول الجماهير. ولم تكد تمر أربع دقائق حتى تكرر المشهد ذاته؛ ركلة جزاء ثانية للحزم في الدقيقة 38، ومرة أخرى يقف مارتينز وجهاً لوجه أمام المرمى، لكن الحظ عانده للمرة الثانية، ليضيع فرصة التقدم ويترك فريقه في حالة من الإحباط النفسي.
هذا الشد العصبي انعكس على أداء لاعبي ضمك الذين لجأوا للتدخلات القوية للحد من خطورة الحزم، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه ضاري العنزي، خالد السميري، وكيوين في دقائق متقاربة. انتهى الشوط الأول بتعادل سلبي، لكنه كان تعادلاً بطعم الخسارة للحزم الذي أهدر ركلتي جزاء، وبطعم النجاة لضمك الذي خرج بأقل الأضرار رغم الضغط العنيف.
من صدمة "بدران" إلى انتفاضة الحزم القاتلة
مع انطلاقة الشوط الثاني، دخل ضمك بوجه مغاير تماماً، ولم ينتظر طويلاً ليعاقب الحزم على إهدار فرص الشوط الأول. ففي الدقيقة 49، ارتقى المدافع عبدالقادر بدران لعرضية متقنة من عبدالرحمن العبيد، واضعاً الكرة في الشباك ومعلناً تقدم الضيوف. هذا الهدف نزل كالصاعقة على لاعبي الحزم، وزاد من تعقيد المهمة، خاصة مع استمرار مسلسل البطاقات الصفراء التي نال منها عبدالله الشنقيطي نصيباً في الدقيقة 57.
تحرك جلال قادري لإنقاذ الموقف، فدفع بالخبير عمر السومة بدلاً من المتعثر فابيو مارتينز في الدقيقة 61، وهو التبديل الذي منح الحزم ثقلاً هجومياً كبيراً. استمر الضغط الحزماوي وسط تراجع دفاعي لضمك، وفي الدقيقة 80، ابتسم القدر أخيراً لأصحاب الأرض، ولكن بطريقة غير متوقعة، حيث سجل مدافع ضمك كيوين هدفاً عكسياً في مرماه، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر وتشتعل المدرجات من جديد.
رصاصة الرحمة وبصمة "سعيود"
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة والجميع يستعد لتقاسم النقاط، ظهر النجم الجزائري أمير سعيود بلمسة سحرية في الدقيقة 87، حيث قدم تمريرة حاسمة وضعت زميله عبد الرحمن الدخيل في موقف مثالي للتسجيل. لم يتوانَ الدخيل في إيداع الكرة المرمى، مفجراً بركاناً من الفرح في ملعب الرس. كانت تلك اللحظة هي المكافأة المستحقة لفريق لم يستسلم رغم إهدار ركلتي جزاء وتأخره بهدف.
الدقائق السبع من الوقت بدل الضائع شهدت إثارة من نوع آخر، حيث أجرى قادري ثلاثة تبديلات دفعة واحدة في الدقيقة 92 لتأمين النتيجة، بدخول عبد العزيز الحربي، سلطان تنكر، وأحمد الشمراني. ورغم حصول الشمراني على بطاقة صفراء في الدقيقة 96، إلا أن الحزم نجح في الحفاظ على تقدمه حتى أطلق الحكم صافرة النهاية المعلنة عن فوز تاريخي.
التحليل التكتيكي: انتصار الإرادة على سوء الطالع
تكتيكياً، أظهرت الإحصائيات سيطرة مطلقة للحزم الذي استحوذ على الكرة بشكل كبير وقام بسلسلة من الهجمات المتواصلة، حيث سدد لاعبو الحزم 58 تسديدة على المرمى، وهو رقم يعكس الرغبة الهجومية الجامحة للفريق. في المقابل، اعتمد ضمك على المرتدات والكرات الثابتة، ونجح في تسجيل هدفه الوحيد من إحدى هذه الكرات، لكنه فشل في الصمود أمام الإعصار الهجومي الحزماوي في الدقائق العشر الأخيرة.
لعبت تبديلات جلال قادري دوراً محورياً، فدخول عمر السومة شتت انتباه مدافعي ضمك، مما منح مساحات أكبر لـ أمير سعيود للتحرك وصناعة اللعب. كما أن الروح القتالية التي ظهر بها الفريق بعد التعادل كانت العامل الحاسم في خطف هدف الفوز. أما ضمك، فقد عانى من كثرة الأخطاء الدفاعية وتلقي لاعبيه لـ 5 بطاقات صفراء، مما جعل الفريق يلعب تحت ضغط الخوف من الطرد في الدقائق الحرجة.
الخاتمة: ثلاث نقاط بوزن الذهب
بهذا الانتصار المثيرة، رفع الحزم رصيده إلى 20 نقطة، ليقفز إلى المركز الحادي عشر ويمنح جماهيره جرعة كبيرة من الثقة في رحلة البحث عن منطقة الأمان في وسط الجدول. أما ضمك، فقد تجمد رصيده عند 11 نقطة في المركز الخامس عشر، ليبقى في دائرة الخطر. لقد أثبتت هذه المباراة أن كرة القدم لا تعترف باليأس، وأن العزيمة قادرة على قهر سوء الحظ، ليخرج الحزم من "عنق الزجاجة" في ليلة ستبقى محفورة في أذهان كل من حضرها في ملعب الرس.


