صراع الهروب من الظل.. تعادل بطعم الصمود بين النجمة والرياض في بريدة
تحت أضواء استاد مدينة الملك عبدالله الرياضية ببريدة، وفي قلب معمعة دوري روشن السعودي، دارت رحى معركة كروية لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت صرخة استنجاد من فريقين يصارعان أمواج الهبوط المتلاطمة. في مواجهة حبست الأنفاس حتى دقيقتها السادسة والتسعين، افترق فريقا النجمة والرياض بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، في لقاء لخصت أحداثه دراما البقاء والإصرار، وأثبتت أن كرة القدم لا تعترف بالمستحيل حتى وإن كانت الأرقام تشير إلى عكس ذلك.
صافرة البداية وطموح كسر النحس
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء مشحونة بالترقب؛ فالنجمة المستضيف، الذي يقبع في المركز الثامن عشر والأخير برصيد خمس نقاط فقط، كان يبحث عن فوزه الأول في الموسم بعد ثماني عشرة جولة عجاف. وعلى الطرف الآخر، جاء "مدرسة الوسط" فريق الرياض بقيادة مدربه المحنك خوسي كارينيو، وهو يدرك أن النقاط الثلاث هي الملاذ الوحيد للابتعاد عن مناطق الخطر، حيث يحتل المركز الخامس عشر برصيد 12 نقطة. قاد المباراة الحكم سلطان الحربي، الذي واجه ضغطاً كبيراً منذ اللحظات الأولى نتيجة الاندفاع البدني العالي من لاعبي الفريقين.
بدأت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول ماريو سيلفا، مدرب النجمة، فرض أسلوبه الهجومي مبكراً مستغلاً عاملي الأرض والجمهور، إلا أن انضباط الرياض التكتيكي كان بمثابة حائط صد منيع أمام المحاولات الخضراء. كانت الرغبة واضحة في عيون لاعبي النجمة لكسر سلسلة الخسائر التي بلغت 13 خسارة هذا الموسم، لكن الرياح لم تأتِ بما اشتهت سفنهم في الدقائق الأولى.
سلطان هارون يفتتح التسجيل وصمت في المدرجات
بينما كان النجمة يحاول ترتيب صفوفه، فاجأ الضيوف الجميع بهجمة منظمة في الدقيقة العشرين. وبلمسة سحرية من البرتغالي توزي، الذي أرسل كرة عرضية متقنة تجاوزت المدافعين، وجد المهاجم سلطان هارون نفسه في المكان المناسب ليودع الكرة الشباك معلناً الهدف الأول للرياض. هذا الهدف صبغ المباراة بلون "الأحمر والأسود"، وأربك حسابات ماريو سيلفا الذي بدا غاضباً على خط التماس.
استمر الضغط النفسي على لاعبي النجمة، مما أدى إلى توتر الأعصاب في بعض الفترات، وهو ما تجلى في الدقيقة 38 عندما نال اللاعب عبدالله أحمد هوساوي بطاقة صفراء نتيجة تدخل عنيف، كانت بمثابة إنذار مبكر لضرورة الهدوء والتركيز. لينتهي الشوط الأول بتقدم الرياض، وسط تساؤلات الجماهير حول قدرة النجمة على العودة في النتيجة وتجنب خسارة جديدة تزيد من جراحهم.
انتفاضة النجمة وتيجانيتش يعيد الأمل
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل النجمة بروح مختلفة تماماً. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى جاء الفرج في الدقيقة 51، عندما استلم اللاعب دافيد تيجانيتش الكرة وبمجهود فردي رائع وتسديدة لم تخطئ المرمى، هز شباك الرياض معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. هذا الهدف أشعل المدرجات وبث الحياة في عروق لاعبي النجمة، الذين بدأوا يشعرون أن الفوز الأول بات قريباً.
أدرك كارينيو أن زمام الأمور بدأ يفلت من يده، فبدأ في إجراء سلسلة من التبديلات التكتيكية لامتصاص حماس الخصم. في الدقيقة 57، خرج صاحب الهدف سلطان هارون ليدخل بدلاً منه عبدالله حسون لتعزيز الجانب الدفاعي والاعتماد على المرتدات. استمر السجال في وسط الملعب، حيث حاول النجمة استغلال الدفعة المعنوية، بينما اعتمد الرياض على خبرة لاعبيه في تسيير الدقائق الصعبة.
صراع المدربين ولعبة التبديلات المتأخرة
شهدت الربع ساعة الأخيرة من المباراة "شطرنجاً" تدريبياً بين سيلفا وكارينيو. في الدقيقة 74، أجرى الرياض تبديلين دفعة واحدة بخروج عمار الحرفي واسامه البواردي ودخول خليل العبسي وسليمان هزازي، في محاولة لتنشيط الأطراف. رد النجمة في الدقيقة 79 بتبديلات هجومية، حيث غادر هشام حسين آل دبيس وفيكتور فارجاس ليفسحا المجال لكل من عبد الإله الشمري وخالد السبيعي.
كانت الدقائق الأخيرة هي الأصعب، حيث رمى كل فريق بكل ثقله. وفي الدقيقة 87، دفع كارينيو بآخر أوراقه، الموهبة الشابة إينيس سالي بدلاً من إبراهيم بايش، أملاً في خطف هدف قاتل. لكن الدفاع النجماوي استبسل في الذود عن مرماه، لتمر الدقائق ثقيلة على الجميع حتى أطلق سلطان الحربي صافرة النهاية بعد ست دقائق من الوقت بدل الضائع، معلناً تعادلاً عادلاً في نتيجته، ومثيراً في تفاصيله.
تحليل فني: ما وراء النتيجة
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن المباراة كانت متكافئة إلى حد كبير، حيث تعكس النتيجة (1-1) تقارب المستوى الفني في هذا اللقاء تحديداً. النجمة رفع رصيده إلى 6 نقاط، ورغم بقائه في المركز الأخير، إلا أن هذا التعادل، وهو الخامس له هذا الموسم، قد يكون نقطة تحول معنوية. أما الرياض، فقد وصل إلى النقطة 13، مستمراً في صراعه للهروب من المركز الخامس عشر، حيث سجل تعادله السادس في المسابقة.
تكتيكياً، نجح كارينيو في إغلاق المساحات في الشوط الأول، لكنه عاب عليه التراجع المبالغ فيه بعد الهدف، مما منح النجمة فرصة العودة. في المقابل، أظهر ماريو سيلفا شجاعة في الشوط الثاني، لكن غياب اللمسة الأخيرة الحاسمة حال دون تحقيق الفوز التاريخي الأول للنجمة هذا الموسم. البطاقة الصفراء الوحيدة لهوساوي تعكس أن المباراة كانت بدنية لكنها لم تخرج عن إطار الروح الرياضية.
الخاتمة: نقطة لا تسمن ولا تغني من جوع؟
في نهاية المطاف، غادر الفريقان الملعب وهما يشعران بمزيج من الرضا والحسرة. بالنسبة للنجمة، التعادل أمام فريق بخبرة الرياض هو مكسب معنوي، لكنه حسابياً لا يغير الكثير من واقعه المرير في قاع الترتيب. أما الرياض، فقد أضاع فرصة ذهبية للتحليق بعيداً عن منطقة الهبوط، مكتفياً بنقطة وحيدة من ملعب بريدة.
يبقى السؤال القائم: هل ستكون هذه النقطة هي حجر الزاوية الذي سيبني عليه النجمة معجزته في البقاء؟ أم أنها مجرد تأجيل للقدر المحتوم؟ الأيام القادمة في دوري روشن السعودي كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن ما شاهدناه اليوم كان تجسيداً حياً لجمال كرة القدم وقسوتها في آن واحد.


