دراما الأحساء.. ريمونتادا الفتح القاتلة تفرمل طموحات الاتحاد في ليلة لا تُنسى
لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول دوري روشن السعودي، بل كانت ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، حيث احتضن ملعب ميدان تمويل الأولى بالأحساء مواجهة من العيار الثقيل جمعت بين الفتح والاتحاد. في ليلة شتوية دافئة بمشاعرها، باردة بتقلباتها، انتهى اللقاء بتعادل مثير بهدفين لكل فريق، في سيناريو سينمائي جعل الجماهير الحاضرة تعيش مزيجاً من الفرح والذهول، بعد أن ظن الجميع أن النقاط الثلاث في طريقها إلى جدة.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع العقول الفنية
دخل الفريقان أرضية الميدان وتحت أنظار الحكم ماجد الشمراني، كانت الأجواء مشحونة بالتوقعات. المدرب البرتغالي سيرجيو كونسيساو، المدير الفني للاتحاد، أراد تأكيد تفوق "العميد" ومواصلة الزحف نحو مراكز المقدمة، معتمداً على كثافة هجومية وسيطرة ميدانية واضحة. في المقابل، كان جوزيه جوميز، مدرب الفتح، يدرك أن مواجهة النمور تتطلب صبراً تكتيكياً ولعباً على الأخطاء. الجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تدرك أن المركز السادس الذي يحتله الاتحاد والمركز التاسع للفتح لا يعكسان أبداً حجم الإثارة المتوقعة في هذا الصدام التاريخي.
الشوط الأول: لدغة الشهري تمنح الأفضلية للعميد
بدأت المباراة بضغط اتحادي مكثف، حيث سيطر رفاق موسى ديابي على منطقة العمليات، ووصلت نسبة استحواذهم إلى 63% طوال اللقاء، وهو ما عكس رغبة كونسيساو في خنق المنافس في مناطقه. وفي الدقيقة الخامسة والعشرين، ومن هجمة منظمة تدرس، نجح القناص صالح الشهري في هز الشباك الفتحاوية، معلناً عن الهدف الأول للاتحاد وسط فرحة عارمة في المدرجات الصفراء والسوداء.
حاول الفتح العودة سريعاً، لكن التوتر طغى على أداء لاعبيه، مما دفع الحكم ماجد الشمراني لإشهار البطاقة الصفراء في وجه ماتياس فارجاس مارتن في الدقيقة 29، بعد تدخل اتسم بالخشونة. لينتهي الشوط الأول بتقدم اتحادي مستحق فنياً، وسط تراجع دفاعي للنموذجي الذي اكتفى بمشاهدة المد الهجومي للضيوف.
الشوط الثاني: جنون الركلات والعودة من بعيد
مع بداية الشوط الثاني، أجرى جوميز تبديلاً مبكراً بدخول فهد الزبيدي بدلاً من جورج فيرنانديز، وهي الخطوة التي ستغير الكثير في الدقائق اللاحقة. استمر السجال حتى الدقيقة 73، حين دفع جوميز بورقته الرابحة سفيان بن دبكة. لم تمر سوى دقيقة واحدة حتى حصل الفتح على ركلة جزاء، انبرى لها المتخصص مراد باتنا، الذي وضعها بهدوء وثقة في الشباك عند الدقيقة 74، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر.
لكن الدراما لم تنتهِ هنا؛ ففي الدقيقة 82، تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتمنح الاتحاد ركلة جزاء قلبت الموازين مجدداً. تقدم صالح الشهري مرة أخرى، وببرود أعصاب الكبار، سجل هدفه الشخصي الثاني وهدف التقدم للاتحاد في الدقيقة 84. في تلك اللحظة، بدا أن الاتحاد قد حسم الموقعة، وبدأ كونسيساو في إجراء تبديلات دفاعية لتأمين النتيجة، حيث أخرج ديابي والشهري ودفع بأحمد الجليدان وعبد العزيز البيشي، ثم ألحقهم بأحمد شراحيلي لغلق المساحات.
اللحظات القاتلة: فارجاس يرفض الهزيمة
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي الدقيقة الثامنة من الوقت بدل الضائع (90+8)، وبينما كان البعض يستعد لمغادرة الملعب، حدث ما لم يكن في الحسبان. هجمة مرتدة سريعة قادها البديل الناجح فهد الزبيدي، الذي مرر كرة ذهبية إلى ماتياس فارجاس مارتن، الأخير الذي كان يحمل بطاقة صفراء منذ الشوط الأول، تحول إلى بطل قومي في الأحساء، حيث سدد كرة سكنت الشباك الاتحادية، معلناً عن تعادل قاتل فجر بركان الفرح في مدرجات الفتح.
تحليل تكتيكي: عندما تتفوق الروح على الإحصائيات
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن الاتحاد كان الطرف الأفضل بوضوح؛ حيث سدد 11 تسديدة منها 4 على المرمى، وقام لاعبوه بـ 259 تمريرة بدقة وصلت إلى 84.94%. في المقابل، كان الفتح واقعياً جداً، فمن أصل 4 تسديدات فقط طوال المباراة، نجح في تسجيل هدفين. تبديلات جوزيه جوميز كانت هي المفتاح، فدخول الزبيدي وبن دبكة منح الفريق الحيوية اللازمة لمجاراة النسق العالي للاتحاد في الدقائق الأخيرة، بينما ربما عاب على الاتحاد التراجع المبالغ فيه بعد الهدف الثاني والاعتماد على التكتل الدفاعي الذي انهار أمام إصرار "النموذجي".
الخاتمة: نقطة بطعم الفوز وخيبة أمل اتحادية
بهذا التعادل المثير، رفع الاتحاد رصيده إلى 31 نقطة ليظل في دائرة المنافسة ولكن بمرارة فقدان نقطتين كانت في المتناول، بينما وصل الفتح إلى النقطة 22، محققاً تعادلاً بطعم الانتصار سيعطيه دفعة معنوية هائلة في الجولات القادمة. لقد أثبتت هذه المباراة أن دوري روشن لا يعترف بالنتائج إلا مع صافرة النهاية، وأن العزيمة في الميدان قادرة على قهر فوارق الاستحواذ والسيطرة.


