ثلاثية النصر تمزق شباك الخلود في ليلة توهج "الدون" ورفاقه ببريدة
في ليلة كروية ازدانت بجمال الأداء التكتيكي وصخب المدرجات في قلب "عروس القصيم"، بريدة، احتضن استاد مدينة الملك عبدالله الرياضية واحدة من المواجهات التي ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة بين النصر ومضيفه الخلود، بل كانت فصلاً جديداً من فصول الهيمنة النصراوية، حيث نجح "العالمي" في العودة إلى العاصمة بثلاث نقاط ثمينة بعد فوز عريض قوامه ثلاثة أهداف نظيفة، في لقاء شهد تقلبات درامية وبطاقة حمراء غيرت الكثير من الحسابات.
أجواء ما قبل الموقعة: طموح الخلود في مواجهة طوفان النصر
قبل صافرة البداية، كانت الأجواء في الملعب تشي بمباراة من العيار الثقيل. دخل الخلود بقيادة مدربه ديس باكنجهام وهو يدرك تماماً أن مواجهة كتيبة المدرب الداهية خورخي خيسوس تتطلب صموداً دفاعياً استثنائياً. الجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تمني النفس بمفاجأة من أصحاب الأرض، بينما كانت أعين لاعبي النصر تلمع برغبة جامحة في مواصلة مطاردة الصدارة. التوقعات كانت تصب في مصلحة الضيوف، لكن الحذر كان سيد الموقف، خاصة وأن الخلود أظهر في مباريات سابقة قدرة على إحراج الكبار.
الشوط الأول: صراع تكسير العظام وهدوء ما قبل العاصفة
انطلقت المباراة بصافرة الحكم عبدالله العويدان، لتبدأ معها معركة تكتيكية في وسط الميدان. النصر حاول فرض أسلوبه منذ الدقائق الأولى، مستحوذاً على الكرة ومنوعاً من هجماته، إلا أن دفاع الخلود كان يقظاً. في الدقيقة 22، تلقى المدافع الإسباني إنيجو مارتينيز بطاقة صفراء بعد تدخل قوي، مما عكس حجم الضغط النفسي والبدني في اللقاء. ومع اقتراب الشوط من نهايته، وتحديداً في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، اضطر باكنجهام لإجراء تبديل اضطراري بخروج نوربيرت جيومبير ودخول عبدالرحمن الدوسري، تزامناً مع حصول نجم الخلود هتان باهبري على إنذار أصفر، لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي، تاركاً كل الإثارة لما بعد الاستراحة.
الشوط الثاني: إعصار نصراوي يضرب في دقائق معدودة
لم يكد الجمهور يستقر في مقاعده مع بداية الشوط الثاني، حتى انفجر البركان النصراوي. في الدقيقة 47، ومن جملة فنية رائعة، أرسل البرتغالي جواو فيليكس تمريرة سحرية وضعت الأسطورة كريستيانو رونالدو في مواجهة الشباك، ليضعها "الدون" ببراعته المعهودة داخل المرمى معلناً الهدف الأول. لم يفق لاعبو الخلود من صدمة الهدف الأول حتى عاد جواو فيليكس في الدقيقة 53 ليصنع الهدف الثاني، وهذه المرة للمدافع المتقدم محمد سيماكان الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، ليمنح فريقه أريحية كبيرة في وقت مبكر من الشوط الثاني.
المنعطف الدرامي: خروج باهبري ورحيل الأسطورة من الملعب
في الدقيقة 72، تعقدت مهمة الخلود تماماً عندما أشهر الحكم عبدالله العويدان البطاقة الحمراء في وجه هتان باهبري بعد العودة لتقنية الفيديو، ليترك فريقه يصارع النقص العددي أمام خصم لا يرحم. ومع ضمان النتيجة نسبياً، قرر خورخي خيسوس إراحة نجمه الأول كريستيانو رونالدو في الدقيقة 78، ليدخل مكانه أيمن يحيى، وسط تحية حارة من الجماهير التي استمتعت بلمسات الأسطورة. التبديلات توالت من الجانبين، حيث حاول باكنجهام إنقاذ ما يمكن إنقاذه بدفع أدم بيري وماجد خليفة، لكن السيطرة النصراوية كانت مطلقة.
الرصاصة الأخيرة: كومان يختتم المهرجان من علامة الجزاء
استمر الضغط النصراوي مستغلاً النقص العددي الواضح في صفوف الخلود، وفي الدقائق الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة 87، حصل النصر على ركلة جزاء انبرى لها النجم الفرنسي كينغسلي كومان، ليسكنها الشباك بهدوء تام معززاً تقدم فريقه بالهدف الثالث. وبعد الهدف، غادر كومان الملعب ليترك مكانه للشاب محمد ماران، كما خرج مهندس العمليات جواو فيليكس في الدقيقة 90+1 ليدخل هارون كامارا، في تغييرات تهدف لمنح الفرصة للجميع وتأكيد السيطرة التامة على مجريات اللعب حتى صافرة النهاية.
التحليل الفني: لغة الأرقام تؤكد علو كعب "العالمي"
لم تكن النتيجة وحدها هي ما ميز النصر في هذه الموقعة، بل الأرقام التي تعكس هيمنة ميدانية شاملة. فقد بلغت نسبة استحواذ النصر على الكرة 65%، مع دقة تمرير مذهلة وصلت إلى 90.22% من إجمالي 491 تمريرة. في المقابل، عانى الخلود كثيراً في الوصول لمرمى النصر، حيث سدد تسديدة واحدة فقط على المرمى طوال المباراة من أصل 5 محاولات، بينما أمطر لاعبو النصر مرمى الخلود بـ 18 تسديدة، منها 12 كانت بين الخشبات الثلاث. تكتيك خيسوس اعتمد بشكل كبير على الأطراف والكرات العرضية التي بلغت 20 عرضية، مما شتت دفاعات الخلود المنهكة.
الخاتمة: النصر يواصل الزحف والخلود في مأزق
بهذا الفوز المستحق، رفع النصر رصيده إلى 43 نقطة في المركز الثاني، مواصلاً مطاردته الشرسة على لقب الدوري ومثبتاً أنه يمتلك النفس الطويل والأسلحة الفتاكة لحسم المباريات الصعبة. أما الخلود، فقد تجمد رصيده عند 15 نقطة في المركز الرابع عشر، ليدخل نفقاً مظلماً من الحسابات المعقدة للهروب من مناطق الهبوط. كانت ليلة في بريدة، بطلها النصر، وعنوانها الإقناع والإمتاع، لتنتهي القصة بثلاثية بيضاء أكدت أن "العالمي" لا يزال يملك الكثير ليقدمه في هذا الموسم المثير.


