صراع الأنفاس الأخيرة.. القحطاني يمنح "السكري" انتصاراً ثميناً أمام عناد الأخدود
تحت أضواء ملعب نادي التعاون في بريدة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى لحظاتها الأخيرة، استضاف "السكري" نظيره الأخدود في مواجهة لم تكن مجرد مباراة عابرة في دوري روشن السعودي، بل كانت ملحمة من الصبر والتكتيك، انتهت بفوز صعب ومستحق للتعاون بهدف نظيف، ليعزز موقعه في المنطقة الدافئة من جدول الترتيب ويترك ضيفه يصارع أمواج الهبوط العاتية.
بداية حذرة ونذير مبكر بالصراع
انطلقت المباراة بصافرة الحكم سامي الجريس، وسط أجواء جماهيرية غلب عليها الترقب. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى كشرت المباراة عن أنيابها؛ ففي الدقيقة السادسة فقط، تلقى مدافع الأخدود سعيد الربيعي بطاقة صفراء مبكرة، كانت بمثابة إنذار بأن الضيوف لن يتنازلوا عن مناطقهم بسهولة. اعتمد مدرب التعاون بريكليس تشاموسكا على الاستحواذ والبناء الهادئ، بينما فضل ماريوس سومديكا، مدرب الأخدود، التكتل الدفاعي والاعتماد على المرتدات السريعة التي كادت أن تؤتي ثمارها في وقت مبكر جداً.
منعطف ركلة الجزاء.. ضياع فرصة التقدم
في الدقيقة العشرين، خيم الصمت على جنبات الملعب عندما احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح الأخدود. تقدم خالد ناري لتنفيذها، حاملاً على عاتقه آمال جماهير نجران في خطف أسبقية قد تغير مجرى البطولة. سدد ناري الكرة، لكنها أخطأت طريقها نحو الشباك، لتضيع فرصة ذهبية كانت كفيلة بقلب الطاولة على أصحاب الأرض. هذا الإخفاق منح لاعبي التعاون دفعة معنوية، بينما زاد من توتر لاعبي الأخدود، وهو ما تجلى في حصول نايف عسيري على بطاقة صفراء في الدقيقة الثلاثين.
لم يخلُ الشوط الأول من المتاعب للتعاونيين أيضاً، فقد نال مصطفي سمبيني بطاقة صفراء في الدقيقة 35، ولم يلبث أن غادر أرضية الميدان في الدقيقة 41 بتبديل اضطراري، تاركاً مكانه لزميله مشعل يوسف العلائلي، لينتهي الشوط الأول بتعادل سلبي خيم عليه الحذر والفرص الضائعة.
لحظة الحسم.. لدغة القحطاني تمزق الصمت
دخل الفريقان الشوط الثاني برغبة أكبر في التسجيل. أجرى سومديكا تبديلاً في الدقيقة 57 بدخول سباستيان بيدروزا بدلاً من نايف عسيري، بحثاً عن تنشيط وسط الملعب. لكن الرد التعاوني جاء صاعقاً وسريعاً؛ فبعد دقيقة واحدة فقط من هذا التبديل، وتحديداً في الدقيقة 58، نجح محمد القحطاني في فك شفرة الدفاعات الحصينة للأخدود، مسجلاً هدف المباراة الوحيد. انفجرت المدرجات فرحاً بهذا الهدف الذي جاء في توقيت مثالي، ليجبر الضيوف على الخروج من مناطقهم الدفاعية.
حاول الأخدود العودة في النتيجة بكل ما أوتي من قوة، وبدأ المدربان في إجراء سلسلة من التغييرات التكتيكية. دفع تشاموسكا بـ محمد صالح العقل بدلاً من كريستوفر زامبراونا في الدقيقة 78 لتأمين وسط الميدان، بينما رمى سومديكا بكل أوراقه الهجومية بإشراك علي عايش السالم وصالح آل عباس في الدقائق الأخيرة، أملاً في خطف تعادل قاتل.
تكتيك الصمود والبطاقات الملونة
شهدت الدقائق العشر الأخيرة قمة الإثارة والندية، حيث ارتفع رتم اللعب وزادت التدخلات البدنية القوية. في الدقيقة 83، أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه لاعب التعاون روجير مارتنيز نتيجة تدخل قوي. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، واصل تشاموسكا ذكاءه في إدارة الوقت، فأخرج صاحب الهدف محمد القحطاني وأشرك عبدالإله هوساوي في الدقيقة 85، ثم أتبعه بدخول عبدالملك المرواني بدلاً من أحمد باحسين في الدقيقة 86.
في المقابل، استمر إحباط لاعبي الأخدود في التزايد، وهو ما أسفر عن حصول ابراهيم عشي على بطاقة صفراء في الدقيقة 86. ورغم المحاولات المستميتة من الضيوف في الدقائق المحتسبة بدلاً من الضائع، إلا أن دفاع التعاون ومن خلفه الحارس وقفوا سداً منيعاً أمام كل الكرات العرضية والمحاولات الفردية، لتنتهي المباراة بفوز تعاوني مستحق.
التحليل الفني: كيف حسم "السكري" المعركة؟
كانت المباراة صراعاً تكتيكياً بامتياز بين مدرستين مختلفتين. نجح بريكليس تشاموسكا في الحفاظ على هدوء فريقه رغم الضغط النفسي الذي سببه احتساب ركلة جزاء ضدهم في الشوط الأول. التبديلات التي أجراها التعاون كانت تهدف بوضوح إلى الحفاظ على التوازن الدفاعي بعد تسجيل الهدف، بينما عانى الأخدود من غياب النجاعة الهجومية رغم وصوله للمرمى في عدة مناسبات.
إحصائياً، كانت الكفة تميل للتعاون في السيطرة على الكرة، حيث وصلت نسبة استحواذهم إلى مستويات جيدة مكنتهم من تدوير الكرة وإرهاق لاعبي الأخدود بدنياً. ضياع ركلة الجزاء من خالد ناري كان هو النقطة الفاصلة في المباراة؛ فلو سُجلت تلك الكرة، لاضطر التعاون لفتح ملعبه مبكراً، مما قد يعرضه لمرتدات الأخدود القاتلة.
خاتمة الملحمة.. ثلاث نقاط من ذهب
بهذا الانتصار، يرفع التعاون رصيده من النقاط، مؤكداً علو كعبه وقدرته على حسم المباريات الصعبة حتى في أسوأ ظروفها. هذا الفوز يعزز من ثقة اللاعبين والجماهير في قدرة الفريق على المنافسة في مراكز المقدمة بجدول ترتيب دوري روشن السعودي. أما الأخدود، فرغم الأداء البطولي والروح القتالية، إلا أن نزيف النقاط يستمر، مما يضع الفريق أمام حتمية مراجعة الحسابات في الجولات القادمة لتفادي شبح الهبوط.
غادر لاعبو التعاون أرضية الملعب وسط تحية حارة من جماهيرهم، مدركين أن مشوار الدوري لا يزال طويلاً، لكن مثل هذه الانتصارات هي التي تصنع الفارق في نهاية الموسم، بينما غادر لاعبو الأخدود برؤوس مرفوعة عطفاً على الأداء، ولكن بقلوب مثقلة بمرارة الخسارة وضياع الفرص.


