تعادل بطعم الإثارة.. الأخدود يباغت ونيوم يستعيد توازنه في قلب نجران
تحت أضواء ملعب مدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية في نجران، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى لحظاتها الأخيرة، رسم فريقا الأخدود ونيوم لوحة فنية تجسد إثارة دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول المسابقة، بل كانت صراعاً تكتيكياً محتدماً بين مدرستين مختلفتين؛ مدرسة "ماريوس سومديكا" الذي يبحث عن طوق نجاة للأخدود، وطموحات "كريستوف جالتييه" الذي يسعى لوضع نيوم في مكانة تليق بحجم المشروع الطموح. وانتهى هذا الصدام بتعادل إيجابي بهدف لمثله، في لقاء شهد تقلبات درامية وبطاقات ملونة غيرت مجرى الأحداث.
بداية صاعقة وزلزال في المدرجات
لم يمهل أصحاب الأرض ضيوفهم سوى دقائق معدودة لجس النبض، فبينما كانت الجماهير تتهيأ لمتابعة أسلوب الفريقين، فاجأ الأخدود الجميع بهجمة مرسومة بدقة في الدقيقة الرابعة. انطلق الكاميروني السريع كريستيان باسوجوج كالسهم في الرواق، مرسلاً تمريرة حاسمة وضعت زميله خالد ناري في مواجهة الشباك، ليطلق الأخير تسديدة سكنت المرمى معلنة تقدم الأخدود بهدف مبكر أشعل المدرجات وبدد هدوء البدايات. هذا الهدف المبكر أجبر نيوم على الخروج من مناطقه الدفاعية مبكراً، ليبدأ رحلة البحث عن التعادل وسط تكتل دفاعي منظم من كتيبة سومديكا.
مع مرور الوقت، بدأت الأجواء تزداد توتراً داخل المستطيل الأخضر، حيث حاول الحكم فريح الجلعود السيطرة على حماس اللاعبين الزائد. وفي الدقيقة 26، تلقى لاعب الأخدود إيفان نيو بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، تبعها اضطرار جالتييه لإجراء تبديل مبكر في الدقيقة 34 بخروج علاء الحجي ودخول أيمن فلاته لضخ دماء جديدة في وسط الملعب. ولم يخلُ الشوط من البطاقات، حيث نال ناثان زيزي من نيوم إنذاراً في الدقيقة 39، قبل أن يختتم محمد علي أبوعبد الشوط الأول ببطاقة صفراء للأخدود في الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع، لينتهي النصف الأول بتقدم أصحاب الأرض وسط سيطرة سلبية لنيوم في الاستحواذ.
صراع التكتيك وتغيير الوجوه
دخل الفريقان الشوط الثاني برغبات متباينة؛ الأخدود يريد الحفاظ على تقدمه الثمين، ونيوم يرمي بكل ثقله لتفادي الهزيمة. بدأ سومديكا تبديلاته بسحب صاحب التمريرة الحاسمة باسوجوج ودفع بـ بوراك إنجي مع بداية الشوط. ورغم استحواذ نيوم الذي وصل إلى 63% طوال المباراة، إلا أن الفاعلية الهجومية كانت تصطدم بجدار دفاعي صلب يقوده سعيد الربيعي قبل خروجه في الدقيقة 70 ليحل مكانه مهند القيضي.
شهدت الدقيقة 68 منعطفاً مهماً في إدارة جالتييه للمباراة، حيث أجرى تبديلين دفعة واحدة بدخول الظهير الخبير محمد البريك والمهاجم أحمد عبده بدلاً من عبدالعزيز نور ولوتشيانو رودريجيز. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، رمى جالتييه بورقته الرابحة والأكثر خبرة، القائد سلمان الفرج، الذي دخل في الدقيقة 77 ليضبط إيقاع اللعب ويمنح نيوم الهدوء المفقود في الثلث الأخير من الملعب.
دراما الدقائق الأخيرة وحسم لاكازيت
بينما كان الأخدود يمني النفس بالنقاط الثلاث، جاءت الدقيقة 84 لتغير كل شيء. ارتكب المدافع نايف عسيري خطأً داخل منطقة الجزاء نال على إثره بطاقة صفراء، واحتسب الحكم فريح الجلعود ركلة جزاء لصالح نيوم. انبرى للمهمة المهاجم الفرنسي المخضرم ألكسندر لاكازيت، الذي وضع خبرة السنين في تسديدته، مسكناً الكرة الشباك في الدقيقة 85، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويسكت صرخات الفرح في نجران.
لكن الإثارة لم تتوقف عند هذا الحد، ففي الدقيقة الثانية من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، تلقى نايف عسيري البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليترك فريقه الأخدود بعشرة لاعبين في اللحظات الحرجة. حاول نيوم استغلال النقص العددي، لكن الوقت لم يسعفه لتحقيق الريمونتادا الكاملة، ليعلن الحكم نهاية الملحمة الكروية بتعادل منصف للفريقين.
تحليل الأرقام والواقع الفني
بالنظر إلى إحصائيات المباراة، نجد تفاوتاً كبيراً في الأسلوب؛ فقد اعتمد الأخدود على الواقعية الدفاعية، حيث مرر لاعبوه 132 تمريرة فقط بدقة وصلت إلى 52%، بينما سيطر نيوم على الكرة بـ 228 تمريرة وبدقة تمرير لافتة بلغت 83%. ورغم هذه السيطرة، لم يسدد نيوم سوى تسديدة واحدة فقط على المرمى كانت هي ركلة الجزاء الناجحة، في حين كان الأخدود أكثر خطورة نسبياً بتسديدتين على المرمى من أصل 4 محاولات.
تكتيكياً، نجح سومديكا في إغلاق المساحات معظم فترات اللقاء، لكن الهفوة الدفاعية في الدقائق الأخيرة كلفت فريقه نقطتين ثمينتين. في المقابل، أظهرت تبديلات جالتييه رغبته الواضحة في الهجوم، حيث ساهم دخول البريك والفرج في زيادة الضغط على دفاعات الأخدود المنهكة، مما أدى في النهاية إلى الحصول على ركلة الجزاء المنقذة.
خاتمة: نقطة للأمل ونقطة للثبات
بهذه النتيجة، رفع نيوم رصيده إلى 25 نقطة مستقراً في المركز التاسع، ليؤكد قدرته على العودة في أصعب الظروف بفضل خبرة لاعبيه مثل لاكازيت والفرج. أما الأخدود، فرغم مرارة التعادل المتأخر، فقد رفع رصيده إلى 10 نقاط، وهي نقطة قد تكون غالية جداً في صراعه للهروب من مناطق المؤخرة، خاصة وأن الأداء القتالي الذي قدمه اللاعبون اليوم أمام فريق مدجج بالنجوم يعطي مؤشراً إيجابياً للجولات القادمة. غادر الجمهور الملعب وهم يتحدثون عن تلك الدقائق المجنونة، في ليلة أثبتت مرة أخرى أن دوري روشن لا يعترف بالأسماء، بل بالعطاء حتى صافرة النهاية.


