عاصفة هلالية في نجران: "الزعيم" يكتسح الأخدود بسداسية تاريخية وبصمة "بنزيمة" الساحرة
في ليلة كروية لم تعرف الهدوء، احتضن ملعب مدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية بمدينة نجران فصلاً جديداً من فصول هيمنة "الزعيم" الهلالي على منافسات دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت استعراضاً للقوة، وسيمفونية كروية عزفها أبناء المدرب الإيطالي سيمون إنزاجي، لينتهي اللقاء بفوز عريض ومستحق للهلال بنتيجة ستة أهداف دون مقابل، في ليلة تجلى فيها المهاجم الفرنسي المخضرم كريم بنزيما بتسجيله لثلاثية تاريخية "هاتريك"، مؤكداً أن الذهب لا يصدأ أبداً.
أجواء ما قبل المعركة: ترقب في نجران وطموحات متباينة
دخل الفريقان أرضية الملعب وسط أجواء جماهيرية صاخبة، حيث كانت التوقعات تشير إلى تفوق هلالي، لكن أحداً لم يتوقع أن تصل النتيجة إلى هذا الرقم الكاسح. الهلال، المتصدر الذي لا يقهر بـ 50 نقطة قبل اللقاء، جاء ليبحث عن تعزيز صدارته وتوسيع الفارق، بينما كان الأخدود، بقيادة مدربه الروماني ماريوس سومديكا، يمني النفس بإحداث مفاجأة تعينه في صراعه للهروب من مناطق الهبوط، حيث يقبع في المركز السابع عشر برصيد 10 نقاط فقط. أدار اللقاء الحكم الأوروغوياني جوستافو تيجيرا، الذي كان عليه ضبط إيقاع مباراة اتسمت بالسرعة والاندفاع البدني منذ اللحظات الأولى.
الشوط الأول: صمود الأخدود واختراق بنزيما
بدأت المباراة بضغط هلالي مكثف، حيث سيطر رفاق سيرجي سافيتش على وسط الميدان، محاولين فك شفرات دفاع الأخدود المتكتل. وفي الدقيقة 19، ظن الجميع أن الهلال قد افتتح التسجيل عبر "التورنيدو" سالم الدوسري بعد تمريرة حاسمة من سافيتش، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف وتمنح الأخدود قبلة حياة مؤقتة. هذا الإلغاء لم يثبط من عزيمة الهلاليين، بل زادهم إصراراً، وفي الدقيقة 31، وبعد جملة تكتيكية رائعة، أرسل ناصر الدوسري كرة متقنة استقبلها كريم بنزيما ببراعة ليضعها في الشباك. انتظر الجميع قرار الـ VAR مرة أخرى، لكن هذه المرة جاء التأكيد بالهدف الأول، لتشتعل مدرجات الهلال فرحاً بتقدم "الزعيم". انتهى الشوط الأول بهدف نظيف، مع استحواذ هلالي تجاوز الـ 60%، وسط عجز تام من الأخدود عن تهديد مرمى الهلال.
الشوط الثاني: إعصار الهلال يلتهم كل شيء
مع بداية الشوط الثاني، بدا واضحاً أن الهلال لم يكتفِ بالهدف الوحيد. وفي الدقيقة 60، انطلق البرازيلي مالكوم بكرة سريعة ليمررها إلى كريم بنزيما الذي لم يتوانَ عن تسجيل هدفه الثاني الشخصي والثاني لفريقه. لم يكد الأخدود يستفيق من صدمة الهدف الثاني، حتى عاد بنزيما في الدقيقة 64 ليبصم على "الهاتريك" بعد تمريرة سحرية من سالم الدوسري، معلناً عن انهيار كامل في دفاعات أصحاب الأرض. حاول سومديكا التدخل بإجراء تبديلات، فأخرج بوراك إنجي وأدخل توكماك نجووين، لكن الإعصار الهلالي كان قد وصل لذروته.
في الدقيقة 70، تبادل بنزيما ومالكوم الأدوار؛ حيث صنع الفرنسي الكرة للبرازيلي مالكوم الذي سجل الهدف الرابع بكل ثقة. هنا، قرر إنزاجي إراحة نجومه، فأخرج بنزيما وثيو هرنانديز، وأشرك سلطان مندش ومراد هوساوي. ورغم التبديلات، استمرت الماكينة الهلالية في العمل، ففي الدقيقة 74، وضع سالم الدوسري اسمه أخيراً في قائمة الهدافين بتسجيله الهدف الخامس بعد صناعة أخرى من المتألق مالكوم.
الدقائق الأخيرة: رصاصة الرحمة وسيطرة مطلقة
شهدت الدقائق العشر الأخيرة سلسلة من التبديلات من الجانبين، حيث دفع إنزاجي بكل من سعد المطيري وسايمون بوابري بدلاً من كوليبالي وسافيتش، بينما حاول الأخدود تقليص الفارق دون جدوى. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر صافرة النهاية، وتحديداً في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع (90+2)، عاد سالم الدوسري ليختتم المهرجان التهديفي بالهدف السادس بصناعة ثالثة من "مهندس" اللقاء مالكوم، لينتهي اللقاء بفوز تاريخي للهلال.
التحليل الفني: عبقرية إنزاجي وانهيار سومديكا
أظهرت الإحصائيات الفوارق الشاسعة بين الفريقين؛ فقد بلغت نسبة استحواذ الهلال 63% مقابل 37% للأخدود. والأهم من ذلك كانت دقة التمرير التي وصلت عند الهلال إلى 90%، مما يعكس الانضباط التكتيكي العالي الذي فرضه إنزاجي. الهلال سدد 13 كرة، منها 6 كرات مؤطرة على المرمى، وجميعها سكنت الشباك بنسبة نجاح مذهلة. في المقابل، اكتفى الأخدود بتسديدة واحدة فقط على المرمى طوال التسعين دقيقة، مما يوضح الجبروت الدفاعي الذي قاده كاليدو كوليبالي قبل خروجه. التبديلات الهلالية كانت ذكية، حيث حافظت على رتم المباراة عالياً رغم خروج الركائز الأساسية، بينما كانت تبديلات الأخدود بمثابة محاولات يائسة لترميم دفاع متصدع.
الخاتمة: الهلال يغرد وحيداً في الصدارة
بهذا الفوز الكاسح، يرفع الهلال رصيده إلى 53 نقطة، محلقاً بعيداً في صدارة دوري روشن، وموجهاً رسالة شديدة اللهجة لجميع منافسيه بأنه لن يتنازل عن لقبه بسهولة. أما الأخدود، فقد زادت هذه الخسارة من جراحه، حيث تجمد رصيده عند 10 نقاط في المركز قبل الأخير، مما يضع المدرب ماريوس سومديكا تحت ضغط هائل في الجولات القادمة. لقد كانت ليلة نجران عنواناً للكمال الكروي الهلالي، حيث اجتمعت المهارة الفردية متمثلة في بنزيما وسالم ومالكوم، مع الجماعية التكتيكية التي جعلت من المباراة حصة تدريبية ممتعة في قلب المنافسة الرسمية.


