عاصفة "لاكازيت" تحسم موقعة تبوك: نيوم يروض خيول الرياض بهدف قاتل
تحت أضواء استاد مدينة الملك خالد الرياضية بتبوك، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات دوري روشن السعودي، كان الموعد مع صراع تكتيكي رفيع المستوى جمع بين طموح "نيوم" وإصرار "الرياض". لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت معركة لإثبات الذات بين مدرستين تدريبيتين مختلفتين؛ مدرسة الفرنسي كريستوف جالتييه الذي يبحث عن ترسيخ أقدام فريقه في مناطق الأمان، ومدرسة الخبير الأوروغوياني خوسي كارينيو الذي جاء لتبوك بحثاً عن طوق نجاة يهرب به من مناطق الخطر في أسفل الجدول.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع تكتيكي حذر
بدأت المباراة وسط أجواء جماهيرية صاخبة، حيث ملأت جماهير نيوم جنبات الملعب، مؤازرة فريقها الذي دخل اللقاء وهو يحتل المركز الثامن، ساعياً لاستغلال عاملي الأرض والجمهور. في المقابل، دخل "مدرسة الوسط" فريق الرياض بنوايا دفاعية واضحة، معتمداً على إغلاق المساحات والاعتماد على المرتدات السريعة. منذ الدقيقة الأولى، ظهر جلياً أن المباراة ستكون "شطرنجية" بامتياز، حيث تبادل الفريقان السيطرة في وسط الميدان دون خطورة حقيقية على المرميين في الربع ساعة الأول.
ومع مرور الوقت، بدأت حدة الالتحامات تزداد، مما أجبر الحكم عبدالله الشهري على التدخل مبكراً لضبط إيقاع اللعب. وفي الدقيقة 21، تلقى عبدالاله الخيبري، لاعب الرياض، أول بطاقة صفراء في اللقاء نتيجة تدخل قوي لتعطيل هجمة مرتدة لنيوم، وهي البطاقة التي كانت مؤشراً على التوتر المتصاعد فوق العشب الأخضر. لينتهي الشوط الأول بتعادل سلبي خيم على النتيجة، لكنه ترك خلفه الكثير من الوعود لشوط ثانٍ أكثر إثارة.
لحظة السحر: بن رحمة يصنع ولاكازيت ينهي المهمة
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل نيوم برغبة هجومية جامحة، وبدا أن تعليمات جالتييه بين الشوطين ركزت على استغلال مهارات الأطراف. وفي الدقيقة 55، انفجرت المدرجات فرحاً؛ حيث استلم النجم الجزائري سعيد بن رحمة الكرة على الرواق، وبلمحة فنية ساحرة أرسل عرضية متقنة ضربت عمق دفاع الرياض، لتجد القناص الفرنسي ألكسندر لاكازيت في الموعد، والذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك ببراعة، معلناً عن هدف التقدم لنيوم.
هذا الهدف أشعل فتيل المباراة، فاندفع الرياض للأمام محاولاً العودة، مما دفع كارينيو لإجراء تبديله الأول في الدقيقة 59 بخروج يحيي الشهري ودخول سلطان هارون لضخ دماء جديدة في خط الوسط. ورد جالتييه سريعاً في الدقيقة 62 بسحب عبدالعزيز نور وإشراك الظهير الخبير محمد البريك لتأمين المناطق الدفاعية والحفاظ على التقدم.
حرب التبديلات وصمود دفاعي مستميت
لم يستسلم الرياض، وواصل الضغط، مما أدى لزيادة التوتر، حيث حصل خليفة الدوسري لاعب نيوم على بطاقة صفراء في الدقيقة 65. وفي محاولة أخيرة لتغيير القدر، أجرى كارينيو تبديلات هجومية مزدوجة في الدقيقة 72 بإشراك عمار الحرفي وإينيس سالي بدلاً من أحمد السياحي وتيدي ليا اوكو. استمر السجال، وقرر جالتييه سحب القائد سلمان الفرج في الدقيقة 74 لإشراك أحمد عبده، متبوعاً بدخول أيمن فلاته بدلاً من لوتشيانو رودريجيز في الدقيقة 75.
الدقائق العشر الأخيرة كانت عبارة عن "حرب أعصاب" حقيقية، حيث أشهر الحكم عبدالله الشهري وابلاً من البطاقات الملونة نتيجة الخشونة والاعتراضات. نال مامادو سيلا ديالو بطاقة صفراء في الدقيقة 77، وتبعه البديل أحمد عبده من نيوم في الدقيقة 84، ثم سلطان هارون من الرياض في الدقيقة 86. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، حاول الرياض بكل قوته، لكن دفاع نيوم بقيادة البريك والدوسري كان سداً منيعاً أمام كل المحاولات.
الأنفاس الأخيرة والختام المثير
في الدقيقة 90، ومع دخولنا في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، أجرى جالتييه تبديلات تكتيكية لاستهلاك الوقت وتأمين النتيجة، حيث دخل حسن العلي وإسلام هوساوي بدلاً من خليفة الدوسري وسعيد بن رحمة. في تلك اللحظات، بلغت الإثارة ذروتها حين حصل حارس الرياض ميلان بورخان على بطاقة صفراء للاحتجاج، وتبعه زميله عمار الحرفي ببطاقة مماثلة في الدقيقة 94.
وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية، كانت الفرحة عارمة في معسكر نيوم، حيث رفع الفريق رصيده إلى 28 نقطة، معززاً موقعه في المركز الثامن بعد أن حقق فوزه الثامن هذا الموسم. في المقابل، تجرع الرياض مرارة الخسارة الثانية عشرة، ليتجمد رصيده عند 12 نقطة في المركز السادس عشر، مما يضع الفريق وجهاً لوجه أمام خطر الهبوط الحقيقي.
تحليل فني: كيف تلاعب جالتييه بأوراق كارينيو؟
لقد كانت المباراة درساً في الانضباط التكتيكي؛ حيث نجح نيوم في الاستحواذ الفعال بفضل تحركات سلمان الفرج قبل خروجه، وقدرة سعيد بن رحمة على خلق الفوارق الفردية. الإحصائيات تشير إلى تفوق نيوم في خلق الفرص المحققة، رغم تقارب الفريقين في الاستحواذ خلال فترات معينة. التبديلات التي أجراها جالتييه كانت تهدف بوضوح لامتصاص حماس الرياض، بينما عاب على فريق الرياض التسرع في إنهاء الهجمات والاعتماد المفرط على الكرات الطويلة التي كان دفاع نيوم لها بالمرصاد.
بهذا الفوز، يثبت نيوم أنه يسير في الطريق الصحيح تحت قيادة جالتييه، محققاً استقراراً فنياً ظهر جلياً في نتائجه الأخيرة (فوزين وتعادلين في آخر خمس مباريات). أما الرياض، فعليه إعادة ترتيب أوراقه سريعاً، فالبقاء في دوري المحترفين يتطلب أكثر من مجرد الدفاع المستميت؛ يتطلب شجاعة هجومية غابت تماماً في ليلة تبوك الحزينة لعشاق "مدرسة الوسط".


