في ليلة "فارس الدهناء".. الاتفاق يروض ضمك بثنائية فاينالدوم ومختار علي
تحت أضواء ملعب ايجو بالدمام، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات دوري روشن السعودي، رسم نادي الاتفاق لوحة من التفوق التكتيكي والروح القتالية، لينتزع فوزاً ثميناً ومستحقاً على ضيفه ضمك بهدفين دون رد. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً بين طموح "فارس الدهناء" في تسلق سلم الترتيب، وعناد "فارس الجنوب" الساعي للهروب من مناطق الخطر، ليعلن الحكم علي القحطاني صافرة النهاية على وقع أفراح اتفاقية مستحقة.
بداية عاصفة وصراع مبكر على وسط الميدان
منذ اللحظات الأولى للمواجهة، وضح أن التحفظ الدفاعي ليس في قاموس المدرب الوطني سعد الشهري، الذي دفع بكتيبته للضغط العالي منذ البداية. في المقابل، حاول أرماندو ايفانجليستا، مدرب ضمك، امتصاص الحماس الجماهيري والاندفاع الاتفاقي عبر تكثيف الحضور في منطقة العمليات. ولم تمضِ سوى خمس دقائق حتى ظهرت أولى ملامح الصراع البدني القوي، حين أشهر الحكم بطاقة صفراء في وجه مدافع الاتفاق عبد الباسط هندي، في إشارة واضحة إلى أن المباراة لن تمر بهدوء.
استمر السجال في وسط الملعب، وبينما كان ضمك يحاول بناء هجماته بهدوء، جاءت اللحظة التي غيرت مجرى الشوط الأول. ففي الدقيقة 19، انطلق الموهوب خالد الغنام بكرة ساحرة من الجهة اليمنى، متجاوزاً المدافعين بمهارة فائقة، ليرسل عرضية متقنة وجدت النجم الهولندي المخضرم جيورجينهو فاينالدوم في المكان المناسب. وبلمسة فنان خبيرة، أودع فاينالدوم الكرة في الشباك، معلناً الهدف الأول للاتفاق، ومفجراً صرخات الفرح في مدرجات ملعب ايجو.
تسبب الهدف في ارتباك واضح في صفوف ضمك، وحاول الاتفاق استغلال هذه الحالة لتعزيز النتيجة، إلا أن الاندفاع الزائد كلف الغنام بطاقة صفراء في الدقيقة 21. وقبل نهاية الشوط الأول بلحظات، وتحديداً في الدقيقة 44، تلقى مورلاي سيلا من ضمك بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، لينتهي النصف الأول من اللقاء بتقدم أصحاب الأرض وسط سيطرة تكتيكية واضحة.
الشوط الثاني: تبديلات تكتيكية ورصاصة الرحمة
دخل ضمك الشوط الثاني وهو يدرك أن الاستمرار بنفس الأسلوب سيعني الخسارة لا محالة. بدأ ايفانجليستا في تحريك أوراقه، فأخرج محمد الصلخدي وأشرك اريلسون في الدقيقة 59 لزيادة الكثافة الهجومية. هذا التغيير منح ضمك سيطرة أكبر على الكرة، حيث وصلت نسبة استحواذهم إلى 58% مع نهاية اللقاء، لكنها كانت سيطرة سلبية افتقدت للنجاعة أمام المرمى، إذ لم ينجح الفريق الضيف سوى في تسديد كرتين فقط على المرمى طوال المباراة.
سعد الشهري، من جانبه، كان يراقب الموقف بحذر، فقرر تنشيط صفوفه في الدقيقة 69 بإخراج المهاجم أحمد حسن كوكا وإشراك ماتيا جلوسفيتش. ثم جاء التبديل الاضطراري بخروج الغنام ودخول جلال السالم في الدقيقة 72، وهي الدقيقة التي شهدت أيضاً حصول المدافع الصلب جاك هيندري على بطاقة صفراء نتيجة استماتته في الذود عن مرماه.
وبينما كان ضمك يبحث عن ثغرة للتعادل، وجه الاتفاق ضربته القاضية في الدقيقة 75. ومن مفارقات القدر أن صانع الهدف الأول، فاينالدوم، تحول في هذه اللقطة إلى دور الممرر الحاسم، حيث أهدى كرة ذهبية لزميله مختار علي، الذي لم يتردد في إسكانها الشباك محرزاً الهدف الثاني. هذا الهدف كان بمثابة "رصاصة الرحمة" التي قتلت طموحات الضيوف في العودة، وأكدت تفوق الاتفاق الذي سدد 6 كرات مباشرة على المرمى من أصل 12 محاولة إجمالية.
تحليل المباراة: الفاعلية تهزم الاستحواذ
أثبتت المباراة أن لغة الأرقام في كرة القدم قد تكون مخادعة أحياناً؛ فرغم تفوق ضمك في الاستحواذ وعدد التمريرات التي بلغت 414 تمريرة بدقة وصلت إلى 86%، إلا أن الاتفاق كان الفريق الأكثر تنظيماً وخطورة. تميز "فارس الدهناء" بصلابة دفاعية واضحة، حيث نجح لاعبوه في تشتيت 5 كرات خطيرة وكسب 12 صراعاً هوائياً، مما أحبط محاولات ضمك المتكررة للوصول إلى المرمى عبر العرضيات التي بلغت 29 عرضية للضيوف دون جدوى.
التغييرات المتأخرة التي أجراها ايفانجليستا بإشراك طارق عبدالله، نواف الصعدي، ويحيى النجعي لم تسعف الفريق، بل زادت من التوتر الذي انعكس في البطاقات الصفراء لكل من جمال حركاس وسنوسي الهوساوي. وفي الدقائق الأخيرة، لجأ سعد الشهري لتأمين دفاعاته بإشراك مدالله العليان وحسن المسلم، ليغلق كل المنافذ المؤدية لمرمى الاتفاق حتى أطلق الحكم صافرة الختام.
الخاتمة: الاتفاق يثبت أقدامه وضمك في مأزق
بهذا الفوز المستحق، رفع الاتفاق رصيده إلى 35 نقطة ليقفز إلى المركز السادس، مؤكداً استقراره الفني وقدرته على مقارعة الكبار في دوري روشن. الفوز لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان رسالة طمأنة لجماهيره بأن الفريق يسير في الطريق الصحيح تحت قيادة الشهري، معتمداً على مزيج من الخبرة العالمية الممثلة في فاينالدوم والروح المحلية الشابة.
في المقابل، تجمد رصيد ضمك عند 12 نقطة في المركز الخامس عشر، ليزداد وضعه تعقيداً في صراع البقاء. الفريق يحتاج إلى مراجعة شاملة لأسلوبه الهجومي، فامتلاك الكرة دون فاعلية لا يجلب النقاط في دوري يتسم بالقوة والسرعة كدوري روشن. غادرت جماهير الاتفاق الملعب وهي تتغنى بانتصار أعاد للهيبة بريقها، في انتظار تحديات قادمة ستكشف عن مدى قدرة "النواخذة" على الاستمرار في هذا النسق التصاعدي.


