ريمونتادا الحزم.. لدغة "العقيد" تمنح صمود الرس انتصاراً ثميناً في ليلة عاصفة
تحت أضواء ملعب نادي الحزم بمدينة الرس، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات دوري روشن السعودي، كان الموعد مع ملحمة كروية تجسدت فيها معاني الإصرار والعزيمة. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً محتدماً على النقاط الثلاث بين صاحب الأرض "الحزم" وضيفه الطامح "الأخدود". وفي ليلة شهدت تقلبات درامية، نجح الحزم في قلب تأخره إلى فوز مثير بنتيجة 2-1، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاقه بفضل هدف قاتل من القناص الخبير.
صراع العقول فوق العشب الأخضر
قبل صافرة البداية التي أطلقها الحكم ماجد الشمراني، كانت الأجواء في مدرجات الرس مشحونة بالتفاؤل والحذر في آن واحد. دخل المدرب التونسي جلال قادري اللقاء وهو يدرك أن الخطأ ممنوع على أرضه، بينما رسم الروماني ماريوس سومديكا خطة جريئة لخطف النقاط من قلب الرس. كانت التوقعات تشير إلى معركة تكتيكية بامتياز، حيث يسعى الحزم لتحسين موقعه في المنطقة الدافئة، بينما يصارع الأخدود للهروب من مناطق الخطر في ذيل القائمة.
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، وظهر التوتر مبكراً على لاعبي الفريقين؛ ففي الدقيقة 17، تلقى لاعب الحزم ابو بكر باه بطاقة صفراء نتيجة تدخل قوي، مما أعطى إشارة واضحة بأن الصراع البدني سيكون سيد الموقف في هذه المواجهة.
صدمة الضيوف ورد الحزم السريع
لم يمهل الأخدود أصحاب الأرض كثيراً لترتيب أوراقهم؛ ففي الدقيقة 18، وبينما كان الحزم يحاول فرض سيطرته، باغته اللاعب جوخان جول بهدف مفاجئ أشعل مدرجات الضيوف وأربك حسابات جلال قادري. هدف الأخدود المبكر وضع الحزم تحت ضغط هائل، وزاد الطين بلة حصول سعود الراشد على بطاقة صفراء ثانية للفريق الحزماوي في الدقيقة 21.
لكن "حزم الصمود" لم يستسلم للواقع المرير؛ فانتفض الفريق هجومياً بضراوة، ولم تمر سوى ست دقائق حتى نجح عبد العزيز الدويهي في إعادة الأمور إلى نصابها. في الدقيقة 24، استغل الدويهي كرة عرضية متقنة ليسكنها الشباك، معلناً تعادل الفريقين وسط فرحة جنونية في مدرجات الرس. ولم يكتفِ الدويهي بالهدف، بل أظهر حماساً مفرطاً كلفه بطاقة صفراء في الدقيقة 29، لينتهي الشوط الأول بتعادل عادل في النتيجة، ومباراة مفتوحة على كل الاحتمالات في الشوط الثاني.
تعديلات تكتيكية ومعركة تكسير العظام
مع بداية الشوط الثاني، أجرى جلال قادري أولى تغييراته بدفع عبد العزيز الحربي بدلاً من سعود الراشد لتعزيز وسط الميدان. استمر السجال البدني، وتوالت البطاقات الملونة التي تعكس مدى الحدة في الأداء؛ حيث نال معاذ فقيهي من الأخدود إنذاراً في الدقيقة 56، تبعه لورينتز روزير من الحزم في الدقيقة 58.
شعر سومديكا بأن المباراة بدأت تفلت من يديه، فقام بإجراء تبديل ثلاثي دفعة واحدة في الدقيقة 60، حيث دفع بكل من عبد العزيز الهتيله، ابراهيم عشي، ونايف عسيري بدلاً من خالد اللزام ومحمد علي أبوعبد وإيفان نيو. كان الهدف واضحاً: تنشيط الهجوم وخطف هدف الفوز. ومع ذلك، ظل الدفاع الحزماوي صامداً أمام المحاولات المتكررة، وسط تألق لافت في التغطية الدفاعية رغم حصول عبد الرحمن الدخيل على إنذار في الدقيقة 74.
لحظة الحسم.. السومة يظهر في الموعد
دخلت المباراة أمتارها الأخيرة، وبدا أن الفريقين في طريقهما لاقتسام النقاط. لكن جلال قادري كان يخبئ ورقة رابحة؛ ففي الدقيقة 79 دفع بالنجم فابيو مارتينز، ثم أتبعه بدخول الياس موكوينا في الدقيقة 80. هذه التغييرات أعطت الحزم الزخم الهجومي المطلوب في الوقت القاتل.
وفي الدقيقة 83، تجلت الخبرة في أبهى صورها؛ حيث أرسل نواف الحبشي تمريرة سحرية وضعت المهاجم المخضرم عمر السومة في مواجهة المرمى. وبلمسة الهداف البارع، لم يتردد السومة في إيداع الكرة داخل الشباك، محرزاً هدف التقدم الغالي للحزم. انفجر الملعب فرحاً بهذا الهدف الذي جاء في توقيت مثالي، ليثبت "العقيد" مرة أخرى أنه رجل المواعيد الكبرى.
دراما الدقائق الأخيرة وصمود الرس
حاول الأخدود العودة في النتيجة بكل ما أوتي من قوة، وأجرى تبديلاً هجومياً بدخول صالح الحارثي، لكن الحزم عرف كيف يسير الدقائق المتبقية بهدوء. زاد التوتر في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، وبلغت الإثارة ذروتها في الدقيقة 90+2 عندما أشهر الحكم ماجد الشمراني البطاقة الحمراء في وجه لاعب الأخدود ابراهيم عشي، مما قضى على آمال الضيوف في العودة.
حتى في الثواني الأخيرة، استمرت المعركة النفسية، حيث تلقى يوسف الشمري إنذاراً في الدقيقة 90+5 نتيجة محاولات تعطيل اللعب المشروعة، ليطلق بعدها الشمراني صافرة النهاية معلناً فوزاً تاريخياً للحزم عزز به رصيده في سلم الترتيب.
الخلاصة: انتصار الروح والخبرة
بهذه النتيجة، رفع الحزم رصيده إلى 24 نقطة ليقفز إلى المركز الحادي عشر، مبتعداً خطوة هامة عن مناطق الصراع، ومؤكداً أن ملعب الرس سيظل حصناً منيعاً أمام المنافسين. في المقابل، تجمد رصيد الأخدود عند 10 نقاط في المركز السابع عشر، ليزداد وضعه تعقيداً في صراع البقاء.
كانت المباراة تجسيداً لقوة التغييرات التي أجراها قادري، وفاعلية المهاجمين في استغلال أنصاف الفرص. لقد أثبت الحزم أن الروح القتالية، مدعومة بخبرة لاعبين مثل عمر السومة، هي المفتاح لتجاوز أصعب العقبات في دوري لا يعرف الرحمة.


