إعصار "الراقي" يجتاح العاصمة: الأهلي يكتسح الشباب بخماسية مدوية في ليلة تألق فيها محرز ورفاقه
تحت أضواء ملعب اس اتش جي ارينا في قلب الرياض، وبالتحديد في ليلة من ليالي دوري روشن السعودي التي لا تُنسى، شهد عشاق كرة القدم ملحمة كروية جسدت بوضوح الفوارق الفنية والذهنية بين فريقين دخلا المباراة بطموحات متباينة. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت استعراضاً للقوة من جانب الضيوف، حيث نجح الأهلي في إلحاق هزيمة قاسية بصاحب الأرض الشباب بنتيجة عريضة بلغت خمسة أهداف مقابل هدفين، في مواجهة أدراها الحكم فيصل البلوي واكتست باللون الأخضر منذ لحظاتها الأولى.
بداية عاصفة وصدمة شبابية مبكرة
لم يمهل "الراقي" مضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه، فمع إطلاق صافرة البداية، بدا واضحاً أن كتيبة المدرب الألماني ماتياس يايسله جاءت لتنتزع النقاط الثلاث بأسلوب هجومي كاسح. في الدقيقة السادسة فقط، ومن ركلة ركنية متقنة، ارتقى المدافع الشاب ريان محمد حامد فوق الجميع ليوجه كرة رأسية سكنت الشباك الشبابية، معلناً عن أول أهداف المباراة ومشعلاً حماس الجماهير الأهلاوية التي ملأت جنبات الملعب.
هذا الهدف المبكر أربك حسابات المدرب الإسباني إيمانول الجواسيل، وحاول لاعبو الشباب استعادة توازنهم عبر الاستحواذ على الكرة، إلا أن الضغط العالي للأهلي كان بمثابة سد منيع. وفي الدقيقة العشرين، ومن جملة فنية رائعة بدأها النجم الجزائري رياض محرز بتمريرة سحرية، استلم المحارب الإيفواري فرانك كيسيه الكرة وأطلق تسديدة قوية لم يستطع الحارس فعل شيء حيالها، ليعزز تقدم فريقه بالهدف الثاني.
سيمفونية محرز وروح كاراسكو القتالية
استمرت السيطرة الأهلاوية وسط ضياع تام في خطوط الشباب، ولم تمر سوى خمس دقائق أخرى حتى عاد رياض محرز ليضع بصمته الخاصة؛ ففي الدقيقة الخامسة والعشرين، وبمجهود وافر من الظهير زكريا هوساوي الذي قدم تمريرة حاسمة، وجد محرز نفسه في وضعية مثالية ليسجل الهدف الثالث، مما جعل النتيجة تشير إلى تقدم مريح وثقيل للأهلي قبل انقضاء نصف ساعة من اللعب.
رفض النجم البلجيكي يانيك كاراسكو الاستسلام لهذا الواقع المرير، وحاول حمل فريقه على عاتقه. وفي الدقيقة الثالثة والثلاثين، نجح كاراسكو في تقليص الفارق بتسجيله الهدف الأول للشباب، معيداً بصيصاً من الأمل للمدرج "الليثي". لكن الرد الأهلاوي جاء صاعقاً وسريعاً جداً؛ فبعد دقيقة واحدة فقط، وتحديداً في الدقيقة الرابعة والثلاثين، استغل إنزو ميلو تمريرة ذكية من المهاجم إيفان توني ليودع الكرة في المرمى مسجلاً الهدف الرابع، وهو الهدف الذي احتفل به ميلو بحماس زائد كلفه بطاقة صفراء في الدقيقة التاسعة والثلاثين.
قبل نهاية الشوط الأول، شهدت المباراة لحظة إثارة أخرى عندما تدخلت تقنية الفيديو (VAR) في الدقيقة الحادية والأربعين لمراجعة لقطة مثيرة للجدل داخل منطقة جزاء الأهلي. وبعد المراجعة، احتسب الحكم ركلة جزاء للشباب، انبرى لها المتخصص يانيك كاراسكو بنجاح في الدقيقة الرابعة والأربعين، لينتهي الشوط الأول بتقدم الأهلي 4-2 في واحدة من أكثر الأشواط إثارة في الموسم.
تكتيكات الشوط الثاني وهدوء ما قبل الحسم
مع بداية الشوط الثاني، أجرى الجواسيل تغييرات جذرية في محاولة يائسة للعودة، حيث دفع بالنجم عبد الرزاق حمدالله و ياسين عدلي و سعد العبيد بدلاً من محمد الشويرخ وهارون كامارا وحسين الصبياني. هذه التبديلات منحت الشباب سيطرة أكبر على الكرة، حيث وصلت نسبة استحواذهم إلى 59%، لكنها كانت سيطرة سلبية تفتقر إلى النجاعة الهجومية أمام دفاع أهلاوي منظم.
في المقابل، بدأ يايسله في إدارة المخزون البدني للاعبيه، فأخرج إنزو ميلو في الدقيقة الخامسة والستين ليدفع بـ زياد الجهني، ثم أجرى تبديلات أخرى بدخول فراس البريكان و صالح أبو الشامات بدلاً من محرز وجالينو في الدقيقة الثامنة والسبعين. استمر الشباب في المحاولة، لكن دفاع الأهلي ومن خلفه الحارس كانوا بالمرصاد لكل الكرات العرضية التي بلغت 14 عرضية شبابية.
رصاصة الرحمة من أقدام توني
بينما كان الشباب يندفع بكل ثقله للأمام، استغل الأهلي المساحات الشاسعة في الخلف. وفي الدقيقة الثالثة والثمانين، تحصل الأهلي على ركلة جزاء، تقدم لها المهاجم الإنجليزي إيفان توني وبكل هدوء وضعها في الشباك، مسجلاً الهدف الخامس ومطلقاً رصاصة الرحمة على آمال الشبابيين في العودة. هذا الهدف كان بمثابة الإعلان الرسمي عن انتهاء المباراة عملياً، لتبدأ بعدها سلسلة من التبديلات التكتيكية للأهلي بدخول عيد المولد و يزن مدني لتأمين النتيجة حتى صافرة النهاية.
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن الأهلي كان الأكثر فاعلية بشكل مذهل؛ فرغم استحواذه الأقل، إلا أنه سدد 15 تسديدة منها 8 تسديدات على المرمى، بينما اكتفى الشباب بتسديدتين فقط على المرمى من أصل 6 محاولات، مما يعكس الخلل الدفاعي الكبير الذي عانى منه أصحاب الأرض في التعامل مع سرعات ومهارات مهاجمي الأهلي.
الخاتمة: الأهلي يغرد في الوصافة والشباب في مهب الريح
بهذا الانتصار الكاسح، رفع الأهلي رصيده إلى 50 نقطة، معززاً موقعه في المركز الثاني بجدول ترتيب دوري روشن، ومواصلاً مطاردة الصدارة بكل قوة، مؤكداً أنه يمتلك واحدة من أقوى المنظومات الهجومية في القارة. في المقابل، تجمد رصيد الشباب عند 19 نقطة في المركز الرابع عشر، ليدخل الفريق نفقاً مظلماً من النتائج السلبية التي تضع الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل الفريق الفني هذا الموسم.
لقد كانت ليلة للذكرى في الرياض، برهن فيها رفاق كيسيه ومحرز أن "الراقي" لا يرحم عندما تتاح له المساحات، وأن الطموح الأهلاوي هذا العام لا سقف له، بينما يبقى على الشباب مراجعة حساباته سريعاً قبل أن يجد نفسه في صراع مرير للهروب من مناطق الخطر.


