ليلة "كينيونس" التاريخية.. القادسية يغزو نجران برباعية في شباك الأخدود
تحت أضواء ملعب مدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية في نجران، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة، استعرض نادي القادسية عضلاته الهجومية ليحقق انتصاراً عريضاً ومثيراً على مضيفه الأخدود بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدفين. هذه المواجهة التي جاءت ضمن منافسات دوري روشن السعودي، لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت مسرحاً لتألق لافت للنجم المكسيكي خوليان كينيونس، الذي نصب نفسه ملكاً للمباراة بتسجيله "هاتريك" تاريخي، ليقود كتيبة المدرب بريندان رودجرز لتعزيز موقعهم في المربع الذهبي، تاركين أصحاب الأرض في صراع مرير مع حسابات البقاء.
أجواء ما قبل المعركة: طموح المربع وصراع البقاء
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء مشحونة بالرغبة والتحدي؛ فالأخدود بقيادة مدربه المحنك ماريوس سومديكا كان يبحث عن طوق نجاة يخرجه من مناطق الخطر، مستنداً إلى عاملي الأرض والجمهور في نجران. في المقابل، وصل القادسية ببريقه المعتاد وتشكيلته المدججة بالنجوم، ساعياً لتأكيد جدارته بالمركز الرابع ومواصلة مطاردة أهل القمة. صافرة الحكم الروماني هوراتيو فيسنيتش أعلنت بداية ملحمة كروية، حيث بدت ملامح الإثارة واضحة منذ اللحظات الأولى، مع ضغط قدساوي مكثف يقابله استبسال دفاعي من "أسود الجنوب".
الشوط الأول: تقنية الفيديو تتدخل والتعادل يفرض نفسه
بدأت المباراة بإيقاع سريع وتوتر ملموس، تجلى في البطاقة الصفراء المبكرة التي نالها تركي العمار في الدقيقة السادسة. وفي الدقيقة الثالثة عشرة، انفجرت الفرحة في دكة بدلاء القادسية بعدما هز خوليان كينيونس الشباك، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً؛ إذ تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتلغي الهدف وتُبقي النتيجة سلبية. هذا الإلغاء لم يثنِ عزيمة الضيوف، بل زادهم إصراراً، رغم حصول جاستون ألفاريز على إنذار آخر في الدقيقة 22.
الضغط القدساوي أثمر أخيراً في الدقيقة 34، حين عاد خوليان كينيونس ليؤكد حضوره الطاغي، مسجلاً الهدف الأول بطريقة رائعة هزت أركان الملعب. وبينما كان الجميع يظن أن الشوط سيتجه لمصلحة الضيوف، فاجأ الأخدود الجميع بهجمة مرتدة منظمة في الدقيقة 43، حيث أرسل معاذ فقيهي تمريرة حاسمة متقنة استغلها الكاميروني كريستيان باسوجوج ببراعة ليضع الكرة في المرمى، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومعلناً عن تعادل مثير قبل الذهاب لغرف الملابس.
الشوط الثاني: إعصار قدساوي واجتياح "كينيونس"
لم يمهل القادسية مضيفه الكثير من الوقت في الشوط الثاني، فمع حلول الدقيقة 50، ارتقى المدافع وليد الاحمد لعرضية ناهيتان نانديز المليمترية، ليودعها الشباك برأسية قوية منحت التقدم مجدداً للقادسية. هذا الهدف غير من شكل المباراة، حيث بدأ المدربان في إجراء سلسلة من التبديلات التكتيكية؛ فدفع سومديكا بصالح آل عباس، بينما رد رودجرز بإشراك محمد أبو الشامات وعلي هزازي بدلاً من أوتافيو وتركي العمار.
البديل محمد أبو الشامات لم يحتج سوى دقائق ليترك بصمته، حيث صنع الهدف الثالث في الدقيقة 74 لزميله المتألق خوليان كينيونس، الذي سدد كرة لا تصد ولا ترد سكنت الشباك. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، بلغت الإثارة ذروتها؛ ففي الدقيقة 86، قلص الأخدود الفارق عبر عبد العزيز الهتيله بعد تمريرة من باسوجوج، ليعيد الأمل للجماهير المحلية. لكن هذا الأمل تبخر في لمح البصر، ففي الدقيقة 87 مباشرة، عاد خوليان كينيونس ليوقع على هدفه الثالث "الهاتريك" والرابع لفريقه، وسط ذهول مدافعي الأخدود، ليحسم الموقعة تماماً ويؤكد تفوق فريقه الكاسح.
التحليل التكتيكي: هيمنة القادسية وقوة البدلاء
كشفت الإحصائيات عن تفوق ميداني كاسح لنادي القادسية، الذي سيطر على مجريات اللعب بنسبة استحواذ بلغت 58%، مقابل 42% للأخدود. القوة الهجومية للضيوف كانت واضحة من خلال 20 تسديدة على المرمى، منها 6 كرات بين القائمين والعارضة، في حين اكتفى الأخدود بـ 7 محاولات فقط. كما لعبت دقة التمرير دوراً حاسماً، حيث بلغت نسبة نجاح تمريرات القادسية 87.7%، مما سمح لهم ببناء الهجمات بسلاسة واختراق دفاعات الأخدود المتعبة.
التبديلات التي أجراها بريندان رودجرز كانت بمثابة "كلمة السر" في الحفاظ على النسق العالي، خاصة دخول محمد أبو الشامات الذي صنع هدفاً، وياسر الشهراني وعبدالله السالم اللذين منحا الفريق توازناً كبيراً في الدقائق العشر الأخيرة. في المقابل، حاول سومديكا تنشيط هجومه بإشراك توكماك نجووين والهتيله، وبينما نجح الأخير في التسجيل، إلا أن الانهيار الدفاعي في اللحظات الحاسمة كلف الأخدود الكثير أمام سرعة ونجاعة كينيونس.
الخاتمة: القادسية يغرد في المربع والأخدود في مهب الريح
بهذا الانتصار العريض، رفع القادسية رصيده إلى 50 نقطة، ليثبت أقدامه بقوة في المركز الرابع ويؤكد أنه رقم صعب في معادلة دوري روشن السعودي هذا الموسم. المباراة كانت بمثابة رسالة شديدة اللهجة للمنافسين، عنوانها أن "بنو قادس" يمتلكون النفس الطويل والأدوات الهجومية الفتاكة. وفي المقابل، تجمد رصيد الأخدود عند 10 نقاط في المركز السابع عشر، مما يضع الفريق ومدربه سومديكا أمام ضغوط هائلة في الجولات القادمة لتصحيح المسار وتجنب شبح الهبوط الذي بات يهدد طموحات النادي الجنوبي بشكل جدي.


