إعصار "ساكالا" يجتاح بريدة.. الفيحاء يروض "سكر القصيم" في ملحمة درامية
تحت أضواء ملعب نادي التعاون ببريدة، وفي ليلة شتوية دافئة من ليالي دوري روشن السعودي، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المستطيل الأخضر إلى مسرح لإحدى أكثر القصص إثارة في الموسم. كانت المواجهة بين التعاون، الطامح لتعزيز مكانه في المربع الذهبي، والفيحاء، الباحث عن إثبات الذات بعيداً عن دياره، بمثابة معركة تكتيكية طغى عليها الصبر في بدايتها، قبل أن تنفجر في نهايتها بوابل من الأهداف والمشاعر المتناقضة.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع البطاقات
انطلقت المباراة بصافرة الحكم عبدالله الحربي، وسط أجواء جماهيرية حماسية غطت مدرجات بريدة. دخل المدرب البرازيلي بريكليس تشاموسكا بتشكيلة هجومية للتعاون، بينما اعتمد البرتغالي بيدرو ايمانويل على انضباط الفيحاء الدفاعي المعهود. الدقائق الأولى كانت عبارة عن جس نبض حذر، لكن التوتر سرعان ما تسلل إلى الأقدام؛ ففي الدقيقة 20، تلقى مارين بلامينوف بيتكوف بطاقة صفراء أولى للتعاون، تبعها راكان الكعبي من جانب الفيحاء في الدقيقة 29، ثم قاسم لاجامي في الدقيقة 42. هذا التوتر كان ينبئ بأن الانفجار قادم لا محالة.
وبينما كان الجميع يستعد لصافرة نهاية الشوط الأول، خطف الفيحاء الأضواء بهجمة مرتدة منظمة، وصلت إلى النجم ياسين بنزية الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك عند الدقيقة 44، معلناً عن تقدم الضيوف بهدف صعق مدرجات "السكري" وأنهى الشوط الأول بتقدم "البرتقالي".
منعرج الشوط الثاني.. انتفاضة وسقوط مفاجئ
مع بداية الشوط الثاني، حاول تشاموسكا تدارك الموقف بإشراك أحمد باحسين بدلاً من فلافيو، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفن التعاونيين. ففي الدقيقة 52، استغل القناص الزامبي فاشون ساكالا تمريرة متقنة من محمد البقعاوي، ليضاعف النتيجة للفيحاء وسط ذهول مدافعي التعاون. كانت النتيجة تشير إلى تقدم مريح للفيحاء بهدفين نظيفين، وبدا أن المباراة في طريقها للحسم المبكر.
لكن روح "سكر القصيم" لا تعرف الاستسلام. بدأ التعاون في الضغط بكل ثقله، وأجرى تشاموسكا تبديلاً بدخول محمد القحطاني، لتبدأ الملحمة الحقيقية. في الدقيقة 74، أشعل روجير مارتنيز فتيل العودة بتسجيله الهدف الأول للتعاون، لتعود الثقة إلى اللاعبين والجماهير. ولم تمر سوى خمس دقائق، حتى ارتدى متعب المفرج ثوب صانع الألعاب، مهدياً كرة ذهبية لزميله محمد وليد الدوسري الذي أطلق تسديدة سكنت الشباك في الدقيقة 79، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر وسط هيجان جماهيري غير مسبوق.
دراما الدقائق الأخيرة ورصاصة الرحمة
عندما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة والجميع يظن أن التعادل هو سيد الموقف، ظهر فاشون ساكالا مرة أخرى ليثبت أنه رجل المباراة الأول. ففي الدقيقة 89، ومن تمريرة حاسمة للمتألق صبري دهل، استطاع ساكالا اقتناص هدف قاتل، مانحاً الفيحاء التقدم بنتيجة 3-2. كانت تلك اللحظة هي "رصاصة الرحمة" التي اخترقت قلوب مشجعي التعاون.
لم تخلُ الدقائق المضافة من الإثارة والتوتر؛ حيث أشهر الحكم عبدالله الحربي البطاقة الصفراء في وجه كل من روجير مارتنيز وصبري دهل في الدقيقة 90+2 نتيجة الاحتكاكات القوية. وفي محاولة لتأمين النتيجة واستهلاك الوقت، لجأ بيدرو ايمانويل إلى سلسلة من التبديلات التكتيكية، فأخرج منصور البيشي وجاسون وصبري دهل، ليدفع بـ ستيليانوس فرونتيس وريان المطيري ونواف الحارثي في اللحظات الأخيرة.
قراءة فنية وتبعات النتيجة
أثبتت المباراة أن التغييرات التي أجراها مدرب الفيحاء كانت أكثر نضجاً في التعامل مع الضغط، بينما دفع التعاون ثمن اندفاعه الهجومي الذي ترك مساحات شاسعة في الخلف استغلها ساكالا ببراعة. ورغم أن التعاون سيطر على فترات طويلة من اللعب ونجح في العودة من بعيد، إلا أن غياب التركيز في الدقائق الحاسمة كلفه نقاط المباراة كاملة.
بهذا الفوز المثيرة، رفع الفيحاء رصيده إلى 29 نقطة، محققاً انتصاراً معنوياً ونقطياً هاماً خارج قواعده، بينما تجمد رصيد التعاون عند 39 نقطة في المركز الخامس، لتتعثر طموحاته في اللحاق بركب المقدمة. لقد كانت ليلة في بريدة لن تنسى، ليلة جسدت روعة دوري روشن السعودي، حيث لا تنتهي المباراة إلا مع صافرة الحكم الأخيرة، وحيث يظل الأمل قائماً حتى الرمق الأخير.


