ملحمة الدمام السبعة: الاتفاق يروض "نمو" الفتح في ليلة حبست الأنفاس
في ليلة كروية ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق دوري روشن السعودي، احتضن ملعب ايجو بالدمام واحدة من أكثر مباريات الموسم إثارة ودراما. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت سيمفونية من الأهداف والتقلبات التي حبست أنفاس الحاضرين حتى الرمق الأخير. وبصافرة الحكم عبدالله الخربوش، أعلن فوز الاتفاق على ضيفه الفتح بنتيجة أربعة أهداف مقابل ثلاثة، في مواجهة تجسدت فيها كل معاني الإثارة الكروية، ليرفع "النواخذة" رصيدهم إلى 38 نقطة معززين موقعهم في المركز السادس.
صراع العقول وأجواء مشحونة قبل الصافرة
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء جماهيرية صاخبة، حيث كانت التوقعات تشير إلى مواجهة تكتيكية رفيعة المستوى بين المدرب الوطني سعد الشهري الذي يسعى لتثبيت أقدام الاتفاق في مناطق النخبة، والبرتغالي الخبير جوزيه جوميز الذي يطمح لانتشال الفتح من دوامة النتائج المتذبذبة. كانت ملامح الحذر بادية على الوجوه، لكن لم يكن أحد يتخيل أن هذا الحذر سينفجر إلى بركان من الأهداف منذ الدقائق الأولى.
الشوط الأول: زلزال من الأهداف وتقلبات جنونية
بدأت المباراة بضغط مبكر من الضيوف، وفي الدقيقة 11، ظن الجميع أن الفتح قد أخذ الأسبقية عبر مروان سعدان بعد تمريرة من مراد باتنا، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف وتمنح الاتفاق قبلة الحياة. هذا الإلغاء كان بمثابة الشرارة التي أشعلت حماس أصحاب الأرض؛ ففي الدقيقة 18، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل جواو كوستا تمريرة حاسمة وضع بها خالد الغنام في مواجهة الشباك، ل يسجل الأخير الهدف الأول معلناً عن تقدم الاتفاق.
لم يفق لاعبو الفتح من صدمة الهدف الأول حتى سقطوا في فخ الأخطاء الدفاعية، حيث تسبب المدافع باتشيكو بهدف عكسي في مرماه عند الدقيقة 23، لتصبح النتيجة هدفين دون رد. وبينما كان الفتح يحاول لملمة أوراقه، ظهر النجم العالمي جيورجينهو فاينالدوم في الدقيقة 36 ليضيف الهدف الثالث بعد تمريرة متقنة من ألفارو ميدران، مما جعل الجميع يظن أن المباراة قد حُسمت إكلينيكياً لصالح الاتفاق.
لكن كرة القدم لا تعترف بالاستسلام، وقبل نهاية الشوط الأول، انتفض "نمو" الفتح؛ ففي الدقيقة 44، قلص النجم المغربي مراد باتنا الفارق بتسجيله الهدف الأول للفتح بصناعة من ماتياس فارجاس. ولم تكتفِ كتيبة جوميز بذلك، بل استمر الضغط في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، لينجح سفيان بن دبكة في الدقيقة 45+4 من تسجيل الهدف الثاني بعد تمريرة من المتألق باتنا، وهو الهدف الذي أكدته تقنية الفيديو، ليدخل الفريقان غرف الملابس والنتيجة تشير إلى تقدم الاتفاق 3-2 في شوط سينمائي بامتياز.
الشوط الثاني: رصاصة العليان وصمود "النواخذة"
مع بداية الشوط الثاني، دخل الاتفاق وعينه على تأمين التقدم مرة أخرى، ولم ينتظر طويلاً، ففي الدقيقة 48، فاجأ مدالله العليان الجميع بتسجيل الهدف الرابع للاتفاق، وهو الهدف الذي أعاد الفارق إلى هدفين ومنح فريقه جرعة من الثقة. بعد هذا الهدف، اشتعلت المباراة بدنياً، وبدأ الحكم عبدالله الخربوش في إشهار البطاقات الملونة للسيطرة على الأجواء، حيث نال ويسلي ديلجادو بطاقة صفراء للفتح، تبعها بطاقات لكل من جاك هيندري، خالد الغنام، وجواو كوستا من جانب الاتفاق.
في الدقيقة 71، عاد مراد باتنا ليثبت أنه العلامة الفارقة في صفوف الفتح، حيث سجل هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه، ليعيد المباراة إلى نقطة الغليان بتضييق الفارق إلى 4-3. هنا بدأت مرحلة "كسر العظم"، حيث رمى جوميز بكل أوراقه الهجومية بإدخال فهد الزبيدي ومحمد الصحيحي، بينما لجأ سعد الشهري إلى تبديلات تكتيكية لتعزيز الدفاع والوسط، فأشرك راضي العتيبي، ماتيا جلوسفيتش، وفارس الغامدي.
صراع الدقائق الأخيرة وحسم المعركة
اتسمت الدقائق العشر الأخيرة بالتوتر الشديد، حيث تراجع الاتفاق للدفاع عن مكتسباته، بينما اندفع الفتح بكل ثقله نحو المرمى الاتفاقي. وشهدت الدقيقة 89 دخول مختار علي بدلاً من جواو كوستا لضبط إيقاع الوسط الدفاعي للاتفاق. وفي الوقت الضائع، بلغت الإثارة ذروتها مع حصول عبدالله خطيب على بطاقة صفراء نتيجة التدخلات القوية، لكن صمود دفاع الاتفاق ومن خلفهم الحارس حال دون وصول الفتح للتعادل.
تحليل فني: كيف حسم الشهري اللقاء؟
لقد كانت المباراة معركة تكتيكية بامتياز؛ تفوق الاتفاق في استغلال الأطراف والكرات العرضية، وكان ألفارو ميدران هو ضابط الإيقاع الذي ربط بين الخطوط ببراعة. في المقابل، اعتمد الفتح بشكل مفرط على مهارات مراد باتنا الفردية، ورغم نجاحه في تسجيل هدفين وصناعة آخر، إلا أن الثغرات الدفاعية القاتلة في الشوط الأول كانت هي الثمن الذي دفعه الفريق. تبديلات سعد الشهري كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى امتصاص حماس الفتح في الربع الأخير، وهو ما نجح فيه بامتياز رغم الضغط الهائل.
الخاتمة: الاتفاق يطير والفتح يترنح
بهذا الانتصار المثيرة، أثبت الاتفاق أنه يمتلك الشخصية القوية للعودة والحفاظ على التقدم في أصعب الظروف، ليرفع رصيده إلى 38 نقطة في المركز السادس، مقترباً أكثر من صراع المربع الذهبي. أما الفتح، فرغم الروح القتالية العالية والعودة القوية في النتيجة، إلا أن الخسارة جمدت رصيده عند 24 نقطة في المركز العاشر، ليبقى الفريق في منطقة الوسط بعيداً عن طموحاته الكبيرة. لقد كانت "ملحمة الدمام" درساً في الإصرار، وتذكيراً بأن دوري روشن لا يبوح بأسراره إلا مع صافرة النهاية.


