ليلة "الليوث" في أبها: الشباب يروض ضمك بثلاثية مثيرة في دوري روشن
تحت أنظار جبال عسير الشاهقة، وفي ليلة اتسمت بالندية والإثارة فوق عشب استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية، عزف نادي الشباب سيمفونية كروية ممتعة مكنته من العودة إلى الديار بنقاط ثلاث ثمينة. في مواجهة حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة، نجح "الليث الأبيض" في ترويض مضيفه نادي ضمك بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، ضمن منافسات دوري روشن السعودي، ليرسل رسالة قوية لمنافسيه بأنه استعاد بريقه المعهود.
أجواء ما قبل المعركة وصراع العقول
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء جماهيرية حماسية، حيث كانت التوقعات تشير إلى مواجهة تكتيكية معقدة بين مدرستين تدريبيتين مختلفتين؛ فابيو كاريلي الذي يسعى لانتشال ضمك من مراكز التأخر، وإيمانول الجواسيل الذي يطمح لوضع الشباب في مكانته الطبيعية بين الكبار. ومع صافرة الحكم عبدالصمد بكري، بدأت ملامح الصراع تتضح، حيث لم يمهل الفريقان بعضهما وقتاً لجس النبض، بل انطلقت الهجمات المتبادلة منذ اللحظة الأولى، وسط ضغط عالي من لاعبي الشباب قابله تنظيم دفاعي حذر من أصحاب الأرض.
الشوط الأول: صراع "الجلاد" وعودة ضمك السريعة
بدأت المباراة بإيقاع سريع، وتوترت الأعصاب مبكراً حينما أشهر الحكم البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الشباب جوشوا برونهيل في الدقيقة العاشرة. لكن هذا التوتر لم يثنِ برونهيل عن التألق، ففي الدقيقة الثامنة عشرة، أرسل تمريرة حاسمة متقنة استقبلها "الجلاد" عبد الرزاق حمدالله ببراعة، ليودعها الشباك معلناً عن الهدف الأول للشباب، ومشعلاً مدرجات الضيوف بالفرحة.
لم يستسلم ضمك، بل انتفض لاعبوه بحثاً عن التعديل، وضغطوا بكل ثقلهم في مناطق الشباب. وفي الدقيقة الثلاثين، ومن عمل جماعي رائع، مرر اريلسون كرة ذهبية لزميله فالنتين فادا الذي لم يتوانَ في إسكانها المرمى، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر. وقبل نهاية الشوط، عاشت الجماهير لحظات من الترقب حين سجل حمدالله هدفاً ثانياً في الدقيقة 42، لكن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي الهدف وتكتم أنفاس الشبابيين، لينتهي الشوط الأول بتعادل عادل وصراع بدني شرس كلف حمدالله بطاقة صفراء في اللحظات الأخيرة.
الشوط الثاني: إعصار الشباب يحسم الموقف
مع انطلاق الشوط الثاني، بدا واضحاً أن إيمانول الجواسيل قد أعطى تعليمات صارمة للاعبيه بضرورة الحسم. ورغم تلقي فينسنت سييرو بطاقة صفراء في الدقيقة 51، إلا أن الشباب واصل زحفه الهجومي. وفي الدقيقة 58، تجلت مهارة النجم البلجيكي يانيك كاراسكو الذي تلاعب بمدافعي ضمك قبل أن يهدي تمريرة حريرية للشاب سعد العبيد، الذي لم يجد صعوبة في تسجيل الهدف الثاني للشباب.
حاول كاريلي مدرب ضمك تدارك الموقف بسلسلة من التبديلات في الدقيقة 64، حيث دفع بكل من نواف الصعدي وجوناثان أوكيتا بدلاً من عبدالله القحطاني واريلسون، محاولاً تنشيط الجبهة الهجومية. في المقابل، رد الجواسيل بتبديلات تكتيكية لتعزيز وسط الملعب، فدخل علي عزايزة وعلى الأسمري بدلاً من همام الهمامي وبرونهيل. ورغم محاولات ضمك المتكررة عبر العرضيات التي بلغت 24 عرضية طوال المباراة، إلا أن دفاع الشباب ومن خلفه الحارس كانوا بالمرصاد.
رصاصة الرحمة وتأكيد التفوق
بينما كان ضمك يرمي بكل ثقله للأمام، استغل الشباب المساحات في الخطوط الخلفية للمنافس. وفي الدقيقة 84، انطلق يانيك كاراسكو في هجمة مرتدة سريعة، أنهاها ببراعة في الشباك مسجلاً الهدف الثالث. ورغم انتظار الجماهير لقرار تقنية الفيديو، إلا أن الحكم أكد صحة الهدف هذه المرة، لتنفجر الفرحة في دكة بدلاء الشباب. وفي الدقائق الأخيرة، أجرى المدربان تبديلات إضافية لتأمين النتيجة أو محاولة تقليص الفارق، حيث دخل هارون كامارا بدلاً من حمدالله في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، لتنتهي الملحمة بفوز شبابي مستحق.
تحليل تكتيكي: كيف تفوق "الليث"؟
أظهرت الإحصائيات تفوقاً طفيفاً للشباب في الاستحواذ بنسبة 52% مقابل 48% لضمك، لكن الفاعلية كانت هي الفارق الحقيقي. الشباب كان أكثر دقة في تمريراته التي بلغت 391 تمريرة بنسبة نجاح 81%، بينما اعتمد ضمك بشكل مفرط على العرضيات والكرات الطويلة التي لم تجد نفعاً أمام براعة مدافعي الشباب. التبديلات التي أجراها الجواسيل كانت حاسمة في الحفاظ على رتم المباراة، بينما لم تنجح تبديلات كاريلي في كسر الحصار الدفاعي المحكم الذي فرضه الضيوف.
الخاتمة: انتصار يعيد الثقة
بهذا الفوز، رفع الشباب رصيده إلى 22 نقطة، ليقفز خطوة مهمة نحو مناطق الأمان والمنافسة، بينما تجمد رصيد ضمك عند 15 نقطة في المركز السادس عشر، ليدخل نفقاً مظلماً من الحسابات المعقدة. لقد كانت مباراة أبها أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ كانت استعراضاً للقوة والشخصية من جانب الشباب، ودرساً في كيفية استغلال الفرص وقتل المباراة تكتيكياً، لتظل أصداء زئير "الليوث" تتردد في أرجاء ملعب مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز لفترة طويلة.


