ليلة «الريمونتادا» في جدة: إيفان توني يقود الأهلي لدهس طموح النجمة برباعية
في ليلة شتويّة دافئة بمدينة جدة، وعلى أرضية استاد مدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية، عاشت جماهير كرة القدم السعودية فصلاً جديداً من فصول الإثارة التي لا تنتهي في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة بين وصيف الترتيب ومتذيله، بل كانت ملحمة كروية بدأت بمفاجأة صادمة وانتهت باستعراض قوة كاسح، بطلها الأول المهاجم الإنجليزي إيفان توني الذي تحول من "تراجيديا" إهدار ركلة جزاء إلى "دراما" التألق بتسجيل ثلاثية تاريخية، ليقود الأهلي للفوز على النجمة بنتيجة 4-1، في مباراة حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة.
مفاجأة "لازارو" وصدمة المدرجات الخضراء
بدأت المباراة وسط أجواء احتفالية من جماهير "الراقي" التي ملأت جنبات الملعب، متوقعة نزهة كروية سهلة أمام فريق يعاني في قاع الترتيب. دخل المدرب الألماني ماتياس يايسله اللقاء بتركيز عالٍ، لكن الرياح هبت بما لا تشتهي السفن الأهلاوية في البداية. فريق النجمة، تحت قيادة مدربه نيستور الماسترو، لم يأتِ ليكون لقمة سائغة، بل أظهر تنظيماً دفاعياً صارماً واعتماداً ذكياً على المرتدات.
وفي الدقيقة 27، ساد صمت مطبق في أرجاء الملعب؛ حينما أرسل دافيد تيجانيتش تمريرة حاسمة متقنة ضربت الخطوط الدفاعية للأهلي، لتجد القناص لازارو الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن هدف التقدم للنجمة. هذا الهدف أربك حسابات الأهلي، وزاد الطين بلة حينما احتسب الحكم أحمد الرميخاني ركلة جزاء للأهلي في الدقيقة 37، انبرى لها إيفان توني، لكنه سددها بغرابة خارج المرمى، لتعلو صرخات الحسرة في المدرجات وينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف وسط ذهول الجميع.
انفجار "الراقي" والتحول الكبير
مع انطلاقة الشوط الثاني، بدا واضحاً أن كلمات يايسله في غرف الملابس فعلت فعل السحر. لم ينتظر الأهلي طويلاً للرد، ففي الدقيقة 48، ومن عمل جماعي رائع، أرسل النجم الجزائري رياض محرز عرضية بالمقاس على رأس فالنتين أتانغانا إيدوا، الذي ارتقى فوق الجميع وأسكن الكرة الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. هذا الهدف كان بمثابة الشرارة التي أشعلت الحماس في أقدام لاعبي الأهلي.
نقطة التحول المحورية في اللقاء جاءت عند الدقيقة 58، حينما تلقى لاعب النجمة فيليبي كاردوسو البطاقة الحمراء بعد حصوله على الإنذار الثاني، ليترك فريقه في مواجهة طوفان أهلاوي منقوص العدد. استغل يايسله هذا النقص سريعاً، وأجرى تبديلاً هجومياً بدخول فراس البريكان بدلاً من صالح أبو الشامات في الدقيقة 67، ليزيد من الضغط على دفاعات النجمة المتهالكة.
إيفان توني.. من الانكسار إلى المجد
بعد إهداره لركلة الجزاء، كان إيفان توني يبحث عن مصالحة الجماهير، وجاءت اللحظة في الدقيقة 69؛ حيث عاد رياض محرز ليمارس هوايته في صناعة الأهداف، مهدياً توني كرة ذهبية لم يرفضها الأخير، ليسجل هدف التقدم الثاني ويطلق العنان لاحتفالات صاخبة. الأهلي لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل سيطرته المطلقة على مجريات اللعب، حيث وصلت نسبة استحواذه إلى 53%، معتمداً على تدوير الكرة بذكاء وسط تراجع تام للاعبي النجمة.
وفي الدقائق الأخيرة، تحولت المباراة إلى عرض فردي للمهاجم الإنجليزي. ففي الدقيقة 87، استغل البديل ماتيوس جونسالفيس سرعته ليصنع الهدف الثالث لـ إيفان توني، الذي أكد تفوق فريقه الكاسح. ولم يكتفِ توني بذلك، بل أصر على تدوين اسمه بحروف من ذهب في هذه الليلة، حينما حصل الأهلي على ركلة جزاء ثانية في الوقت بدل الضائع (90+4). هذه المرة، وبثقة الكبار، وضع توني الكرة في الشباك، محرزاً هدفه الشخصي الثالث (هاتريك) والرابع لفريقه، لينهي المباراة بإثارة درامية تليق بقمة كروية.
القراءة الفنية وتأثير التبديلات
أثبتت الإحصائيات تفوق الأهلي الواضح، حيث سدد الفريق 5 كرات على المرمى من إجمالي 5 محاولات، مما يعكس الفعالية الهجومية الكبيرة في الشوط الثاني. في المقابل، اكتفى النجمة بتسديدتين فقط طوال اللقاء. كان لتبديلات يايسله أثر السحر، خاصة دخول ماتيوس جونسالفيس الذي صنع هدفاً فور دخوله، والبدلاء زياد الجهني ومحمد عبدالرحمن الذين ساهموا في الحفاظ على رتم المباراة العالي في الدقائق الأخيرة.
على الجانب الآخر، حاول نيستور الماسترو تدارك الموقف بسلسلة من التبديلات، بإشراك راكان الطليحي وعبدالعزيز الحربي، لكن النقص العددي بعد طرد كاردوسو والانهيار البدني في الدقائق العشر الأخيرة جعل المهمة مستحيلة أمام "إعصار" جدة الأخضر.
كلمة الختام: الأهلي يطارد الصدارة
بهذا الانتصار العريض، رفع الأهلي رصيده إلى 53 نقطة، معززاً موقعه في المركز الثاني ومستمرًا في مطاردة المتصدر، ليثبت أنه يمتلك الشخصية القوية للعودة في النتيجة حتى في أصعب الظروف. أما النجمة، فقد تجمد رصيده عند 8 نقاط في المركز الأخير، ليزداد وضعه تعقيداً في صراع البقاء. لقد كانت ليلة للذكرى في ملعب الأمير عبدالله الفيصل، ليلة أثبت فيها إيفان توني أن المهاجم الفذ هو من ينهض من كبوته ليقود فريقه نحو القمة.


