عناد العارضة ولعنة النيران الصديقة: الأهلي يتربع على القمة من قلب الرياض
تحت أضواء استاد مدينة الأمير فيصل بن فهد الرياضية بالرياض، وفي ليلة حبست أنفاس عشاق الساحرة المستديرة، لم تكن مواجهة الأهلي ومضيفه الرياض مجرد مباراة عابرة في جدول دوري روشن السعودي، بل كانت فصلاً من فصول الدراما الكروية التي تجسد صراع الإرادات. في تلك الأمسية التي قادها الحكم محمد السماعيل، دخل "الراقي" المباراة وعينه على تعزيز صدارته، بينما استمات "مدرسة الوسطى" للدفاع عن كبريائه في مواجهة العملاق الجداوي، لتنتهي الملحمة بفوز أهلي ضيق بهدف نظيف، جاء في توقيت قاتل وبسيناريو لم يكن يتوقعه أشد المتفائلين.
هدوء ما قبل العاصفة وصدمة البدايات
بدأت الأجواء مشحونة بالترقب، فالمدرجات التي تزينت بألوان الفريقين كانت تعكس قيمة النقاط الثلاث. دخل الألماني ماتياس يايسله بتشكيلة هجومية ضاغطة، محاولاً فرض إيقاعه منذ اللحظات الأولى، بينما رسم المدرب ماوريسيو دولاك جداراً دفاعياً صلباً للرياض. لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهيه سفن صاحب الأرض مبكراً، ففي الدقيقة 12، تلقى الرياض ضربة موجعة بخروج المدافع محمد الخيبري للإصابة، ليحل مكانه فيصل الصبحي، في تبديل اضطراري أربك الحسابات الفنية منذ البداية، وأجبر الرياض على التراجع أكثر لتأمين مناطقه الخلفية أمام المد الأخضر المتواصل.
استمر الضغط الأهلاوي وسط تكتل دفاعي محكم، حيث بلغت نسبة الاستحواذ الأهلاوية في الشوط الأول حدوداً مرتفعة، لكن الوصول لمرمى الحارس المخضرم ميلان بورخان كان يتطلب لمسة سحرية. ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، وتحديداً في الدقيقة 45+1، نال عبدالإله الخيبري بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، ليزيد من الضغوط على كاهل فريقه. وفي الأنفاس الأخيرة من الوقت بدل الضائع، اشتعلت المدرجات فرحاً بهدف سجله المدافع روجر إيبانيز بعد تمريرة من جالينو، لكن تقنية الفيديو "VAR" كانت لها كلمة أخرى، حيث أُلغي الهدف بداعي وجود خطأ أو تسلل، ليعود الفريقان لغرف الملابس والتعادل السلبي سيد الموقف.
الشوط الثاني: تبديلات يايسله ونيران "بورخان" الصديقة
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل الأهلي برغبة جامحة لكسر الصمود الدفاعي للرياض. كانت الإحصائيات تشير إلى سيطرة مطلقة للضيوف، حيث سدد لاعبو الأهلي 15 تسديدة طوال المباراة، منها 6 تسديدات بين الخشبات الثلاث، بينما عجز الرياض عن توجيه أي تسديدة مباشرة على المرمى طوال التسعين دقيقة. شعر يايسله بضرورة التدخل، فأجرى سلسلة من التبديلات في الدقيقة 62 بخروج ميريه ديميرال ودخول ريان محمد حامد، ثم دفع بـ صالح أبو الشامات وفراس البريكان بدلاً من زياد الجهني وفرانك كيسيه في الدقيقتين 72 و73 على التوالي.
هذه التغييرات أعطت الأهلي الزخم المطلوب، وفي الدقيقة 75، حدث ما لم يكن في الحسبان. في لحظة من عدم التركيز وتحت ضغط الهجوم الأهلاوي، ارتكب الحارس ميلان بورخان خطأً فادحاً أدى لتسجيله هدفاً عكسياً في مرماه. سكنت الكرة الشباك وسط ذهول لاعبي الرياض وفرحة عارمة في المعسكر الأهلاوي. كان هذا الهدف بمثابة المكافأة العادلة لإصرار الأهلي، والضربة القاضية لطموحات الرياض الذي بذل مجهوداً دفاعياً خارقاً شمل 24 تشتيتاً للكرة من مناطق الخطر.
دراما الدقائق الأخيرة وصمود "الراقي"
لم يستسلم الرياض، وحاول مدربه دولاك إنعاش فريقه بتبديلات متلاحقة، حيث أشرك سلطان هارون وسليمان هزازي في الدقيقة 81، ثم عمار الحرفي وخليل العبسي في الدقائق الأخيرة. وفي الدقيقة 86، كاد المهاجم الإنجليزي إيفان توني أن يحسم الأمور تماماً بهدف ثانٍ بعد تمريرة متقنة من إيبانيز، إلا أن "VAR" تدخل مرة أخرى ليلغي الهدف، مما أبقى النتيجة على كف عفريت حتى اللحظات الأخيرة. استبسل دفاع الأهلي في الدقائق المضافة، وأجرى يايسله تبديلاً تكتيكياً في الدقيقة 90+4 بدخول علي مجرشي بدلاً من ماتيوس جونسالفيس لتأمين النتيجة.
تميزت المباراة بالندية البدنية، حيث ارتكب لاعبو الأهلي 14 خطأ مقابل 12 للرياض، وحصل الأهلي على 6 ركنيات تعكس ضغطه المستمر، بينما لم يحصل الرياض على أي ركنية طوال اللقاء. دقة التمرير كانت تصب في مصلحة "الراقي" بنسبة 85%، مما سمح لهم بالتحكم في رتم المباراة وحرمان المنافس من الكرة في الأوقات الحرجة، لينتهي اللقاء بصافرة السماعيل معلناً فوزاً غالياً للأهلي بهدف دون رد.
الخلاصة: الأهلي يغرد وحيداً في الصدارة
بهذا الانتصار الصعب والثمين، رفع الأهلي رصيده إلى 59 نقطة، معززاً موقعه في المركز الأول ومواصلاً سلسلة نتائجه الإيجابية التي شهدت أربعة انتصارات في آخر خمس مباريات. أثبت الأهلي في هذه المواجهة أنه يمتلك شخصية البطل التي تمكنه من الفوز حتى في الأيام التي يعانده فيها الحظ أو تُلغى فيها أهدافه. في المقابل، تجمد رصيد الرياض عند 16 نقطة في المركز السادس عشر، ليزداد وضعه حرجاً في صراع البقاء، رغم الروح القتالية العالية التي أظهرها لاعبوه أمام متصدر الدوري.
لقد كانت ليلة للذكرى، برهن فيها الأهلي أن الطريق إلى اللقب يتطلب نفساً طويلاً وقدرة على اقتناص الفرص من أنصاف الأخطاء. وبينما غادرت جماهير الأهلي الملعب وهي تتغنى بصدارة فريقها، بقي لاعبو الرياض يتحسرون على لحظة شرود ذهني واحدة كلفتهم الكثير، في مباراة أكدت أن دوري روشن لا يعترف إلا بمن يسجل، حتى وإن جاء الهدف من أقدام المنافسين.


