إعصار "الحزم" يجتاح "الاتفاق": ليلة القلب الكبير والريمونتادا المثيرة في الرس
تحت أضواء الكشافات التي غمرت جنبات ملعب نادي الحزم في "الرس"، وبحضور جماهيري لم يكف عن الهتاف، شهدت الجولة السابعة والعشرون من دوري روشن السعودي فصلاً جديداً من فصول الإثارة الكروية التي لا تنتهي. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم عادية، بل كانت ملحمة درامية تقلب فيها الموازين، وانتهت بفوز عريض ومستحق لأصحاب الأرض، نادي الحزم، على ضيفه الثقيل نادي الاتفاق بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في ليلة ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق "حزم الصمود".
بداية "كوماندوز" وصدمة لم تدم طويلاً
دخل الفريقان أرضية الميدان وسط أجواء مشحونة بالتوقعات، حيث سعى جلال قادري، مدرب الحزم، لإثبات قدرة فريقه على مقارعة الكبار، بينما طمح سعد الشهري، مدرب الاتفاق، لتعزيز موقع فريقه في سلم الترتيب. انطلقت صافرة الحكم أحمد الرميخاني، ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى باغت الضيوف الجميع بهدف مبكر في الدقيقة التاسعة، عندما استغل المهاجم المصري المخضرم أحمد حسن كوكا هفوة دفاعية ليضع الكرة في الشباك، معلناً تقدم الاتفاق ومشعلاً فتيل الحماس في المدرجات المخصصة للضيوف.
لكن كرة القدم، كما هي عادتها، لا تعترف بالبدايات فقط، بل بالمنعطفات التي تغير مسار التاريخ في لحظات. وفي الدقيقة الخامسة عشرة، وقع ما لم يكن في حسبان سعد الشهري؛ حيث أشهر الحكم البطاقة الحمراء المباشرة في وجه مدافع الاتفاق عبد الباسط هندي بعد تدخل متهور، ليجد "الكوماندوز" أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، بنقص عددي مبكر جداً وأمام فريق يتوق للعودة.
رياح التغيير والريمونتادا الحزماوية
لم يمهل الحزم ضيوفه وقتاً لترتيب أوراقهم بعد الطرد، فبعد دقيقتين فقط، وتحديداً في الدقيقة السابعة عشرة، انبرى اللاعب يوسف الشمري لتنفيذ ركلة جزاء احتسبها الرميخاني، ليضعها بهدوء وثقة في المرمى مسجلاً هدف التعادل. هذا الهدف أعاد الروح لكتيبة جلال قادري، وبدأ الحزم يفرض سيطرته المطلقة على وسط الميدان، مستغلاً الفراغات التي تركها طرد هندي.
ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، وفي وقت كان الجميع ينتظر صافرة الاستراحة، ظهر النجم البرتغالي فابيو مارتينز ليرسم لوحة فنية في الدقيقة الثالثة والأربعين، مسجلاً الهدف الثاني للحزم بعد فاصل من المهارة الفردية، ليقلب الطاولة تماماً ويجعل الحزم يذهب لغرف الملابس وهو متقدم في النتيجة، وسط ذهول لاعبي الاتفاق الذين تاهت بوصلتهم بعد البداية المثالية.
صمود الاتفاق وانفجار "باه" الحاسم
في الشوط الثاني، حاول سعد الشهري تدارك الموقف، فأجرى تبديلات تكتيكية تهدف لاستعادة التوازن، حيث أخرج صاحب الهدف أحمد حسن كوكا في الدقيقة 61 ليدفع بالشاب موهاو نكوتا، في محاولة لضخ دماء جديدة في الهجوم. ورغم النقص العددي، أظهر الاتفاق استبسالاً دفاعياً كبيراً، وحاول النجم جيورجينهو فاينالدوم الربط بين الخطوط، إلا أن صلابة دفاع الحزم بقيادة سلطان تنكر، الذي نال بطاقة صفراء في الدقيقة 73 نتيجة قتاله على كل كرة، كانت بالمرصاد لكل المحاولات الاتفاقية.
وبينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة والتوتر يبلغ ذروته، قرر فابيو مارتينز أن يضع بصمته الأخيرة كصانع للأفراح؛ ففي الدقيقة الثانية والثمانين، مرر كرة سحرية وضعت المهاجم ابو بكر باه في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير رصاصة الرحمة في شباك الاتفاق مسجلاً الهدف الثالث. هذا الهدف فجر بركان الفرح في مدرجات الرس، وأكد أن النقاط الثلاث ستبقى في خزائن الحزم.
صراع المدربين ولعبة التبديلات
شهدت الدقائق الأخيرة سلسلة من التبديلات التي عكست رغبة كل مدرب في تأمين نتيجته أو تقليص الفارق؛ فدفع الشهري بماتيا جلوسفيتش وجلال السالم بدلاً من راضي العتيبي وفاينالدوم، بينما رد قادري بسلسلة تبديلات دفاعية وتنظيمية، حيث أشرك عبدالله الشنقيطي وعبدالله عواجي ومحمد عيسى اليامي، ليغلق كل المنافذ المؤدية لمرماه. لقد كانت إدارة جلال قادري للمباراة ذكية للغاية، حيث عرف كيف يستثمر النقص العددي للخصم دون الاندفاع غير المحسوب، مما منح فريقه تفوقاً ميدانياً واضحاً في الإحصائيات الفنية والسيطرة على الكرة.
وعلى الرغم من محاولات الاتفاق اليائسة في الدقائق الخمس التي احتسبها الحكم وقتاً بدلاً من الضائع، إلا أن التنظيم الدفاعي للحزم كان مثالياً. ولم تؤثر البطاقة الصفراء التي تلقاها عبد العزيز الدويهي في الشوط الأول على أدائه المتزن حتى خروجه في الدقيقة 87، ليخرج الحزم بانتصار معنوي وفني كبير.
الخاتمة: فجر جديد في الرس
عندما أطلق أحمد الرميخاني صافرة النهاية، تعانق لاعبو الحزم في مشهد يجسد روح الفريق الواحد. هذا الفوز لم يكن مجرد إضافة ثلاث نقاط لرصيدهم الذي أصبح 28 نقطة في المركز العاشر، بل كان رسالة قوية بأن الحزم قادر على العودة والانتصار حتى في أصعب الظروف. في المقابل، تجمد رصيد الاتفاق عند 38 نقطة في المركز السابع، في ليلة سيعيد فيها سعد الشهري حساباته كثيراً، خاصة فيما يتعلق بالانضباط الدفاعي والتعامل مع حالات الطرد المبكر.
لقد أثبتت هذه المباراة أن دوري روشن السعودي لا يعترف بالأسماء فقط، بل بالعطاء والروح القتالية داخل المستطيل الأخضر. غادرت جماهير الحزم الملعب وهي تتغنى بأسماء أبطالها، فابيو مارتينز ويوسف الشمري وابو بكر باه، مدركين أن فريقهم يمتلك "الحزم" الكافي لمواجهة أي تحدٍ قادم في مشوار الدوري الطويل.


