عناق النقاط في الأحساء: عندما تبتسم الشباك لباتنا بعد طول جفاء
تحت أضواء ملعب "ميدان تمويل الأولى" في قلب الأحساء، وبينما كانت الجماهير تترقب ملحمة كروية تعيد ترتيب أوراق وسط وجدول ترتيب دوري روشن السعودي، شهد المتابعون ليلة غلب عليها طابع الصراع التكتيكي الممزوج بالدراما الإنسانية فوق المستطيل الأخضر. في لقاء جمع بين طموح الفتح بقيادة مدربه البرتغالي جوزيه جوميز، وإصرار ضمك تحت إمرة الخبير فابيو كاريلى، انتهت الموقعة بتعادل إيجابي بهدف لمثله، في مباراة لم تكن مجرد نتيجة رقمية، بل كانت قصة صمود، إخفاق، ثم عودة من بعيد.
بداية عاصفة وصدمة في "النموذجي"
دخل الفريقان المباراة وكل منهما يحمل إرثاً من الضغوط؛ الفتح الساعي لتثبيت أقدامه في المناطق الدافئة، وضمك الذي يصارع للهروب من شبح الهبوط. لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض الكثير من الوقت لجس النبض، فمنذ الصافرة الأولى للحكم رائد الزهراني، بدا أن "فارس الجنوب" جاء ليخطف النقاط. وفي الدقيقة السادسة عشرة، ومن جملة تكتيكية منظمة، أرسل عبدالرحمن العبيد عرضية متقنة كأنها رُسمت بالمسطرة، لتجد رأس القناص ياكو ميتي الذي أودعها الشباك معلناً تقدم ضمك بهدف مبكر صدم مدرجات الأحساء.
هذا الهدف أشعل فتيل التوتر في اللقاء، وبدأت التدخلات القوية تفرض نفسها على المشهد. لم يتأخر رائد الزهراني في إشهار البطاقات الملونة لضبط إيقاع المباراة، فنال عبدالعزيز السويلم من الفتح بطاقة صفراء في الدقيقة 31، تلاه مباشرة ضاري العنزي من جانب ضمك في الدقيقة 32، ثم زياد ماهر الجري في الدقيقة 35. كانت الأجواء مشحونة، والفتح يحاول بشتى الطرق اختراق دفاعات كاريلى الحصينة، حتى جاءت اللحظة التي حبست أنفاس الجميع في الدقيقة السادسة من الوقت بدل الضائع للشوط الأول.
دراما ركلة الجزاء: انكسار مراد باتنا
بينما كان الشوط الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح الفتح. انبرى لها النجم المغربي مراد باتنا، المتخصص وصاحب القدم اليسرى السحرية. ساد الصمت أرجاء الملعب، تقدم باتنا، سدد الكرة، ولكن لدهشة الجميع، ضلت الكرة طريقها نحو المرمى. أطلق الحكم صافرة نهاية الشوط الأول، ليدخل باتنا غرف الملابس محملاً بعبء إهدار فرصة التعادل، بينما دخل لاعبو ضمك بنشوة التقدم، مدركين أن الشوط الثاني سيكون اختباراً حقيقياً لصمودهم.
الشوط الثاني: طرد يقلب الموازين وعودة "الساحر"
مع بداية الشوط الثاني، أجرى جوزيه جوميز تبديلاً هجومياً بدخول فهد الزبيدي بدلاً من حسين قاسم، في محاولة لزيادة الضغط. استمر ضمك في استراتيجيته الدفاعية معتمداً على المرتدات، وتوالت البطاقات الصفراء على جمال حركاس وطارق عبدالله. ومع وصول المباراة إلى الدقيقة 75، حدث المنعطف الأهم؛ تدخل عنيف من ضاري العنزي كلفه البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليغادر الملعب تاركاً فريقه يواجه إعصار الفتح بنقص عددي.
لم تمر سوى دقيقتين حتى حصل الفتح على ركلة جزاء ثانية في الدقيقة 77. في مشهد تراجيدي تكرر مرتين في ليلة واحدة، وقف مراد باتنا مجدداً أمام الكرة. كانت الضغوط هائلة، فإهدار ركلتين في مباراة واحدة قد ينهي مسيرة لاعب نفسياً. لكن باتنا، بروح الكبار، سدد الكرة هذه المرة بإتقان في شباك ضمك، معلناً هدف التعادل ومفجراً أفراح الجماهير الفتحاوية. كان الهدف بمثابة "صك غفران" للنجم المغربي الذي احتفل بهستيريا وسط مؤازرة زملائه.
صراع التبديلات والأنفاس الأخيرة
بعد التعادل، اشتعلت المباراة فنياً. كاريلى حاول تدارك النقص العددي فأخرج عبدالله القحطاني وطارق عبدالله مدخلاً محمد الصلخدي وجوناثان أوكيتا، ثم عزز دفاعه بخالد السميري بدلاً من صاحب الهدف ياكو ميتي في الدقائق الأخيرة. من جانبه، رمى جوميز بكل أوراقه، فدفع بويسلي ديلجادو وجيفرسون راموس وعثمان العثمان، بحثاً عن هدف الفوز القاتل.
استمر الضغط الفتحاوي في الدقائق العشر الأخيرة، حيث حاصر "النموذجي" ضيفه في مناطق جزائه، لكن بسالة دفاع ضمك ومن خلفهم حارس المرمى حالت دون اهتزاز الشباك مرة أخرى. الإحصائيات أظهرت تفوقاً واضحاً للفتح في الاستحواذ وعدد المحاولات على المرمى، خاصة بعد النقص العددي لضمك، إلا أن اللمسة الأخيرة غابت عن مهاجمي الفتح في اللحظات الحاسمة.
الخاتمة: نقطة بطعم الخسارة وأخرى برائحة البقاء
عندما أطلق الحكم رائد الزهراني صافرة النهاية في الدقيقة 96، كانت المشاعر مختلطة على أرض الملعب. الفتح، الذي رفع رصيده إلى 28 نقطة في المركز التاسع، شعر بمرارة ضياع نقطتين كانتا في المتناول بالنظر إلى ظروف المباراة وركلات الجزاء. أما ضمك، الذي استقر في المركز الخامس عشر برصيد 16 نقطة، فقد اعتبر هذا التعادل بمثابة انتصار معنوي، نظراً للعب بعشرة لاعبين لأكثر من 15 دقيقة والخروج بنقطة ثمينة من ملعب صعب.
لقد كانت مباراة الأحساء تجسيداً لجمال كرة القدم السعودية؛ تقلبات، دراما، وبطولة فردية ولدت من رحم الإخفاق. وبقي مراد باتنا هو العنوان الأبرز لهذه الليلة، كلاعب رفض أن يستسلم لليأس، ليؤكد أن كرة القدم، كما الحياة، تمنح دائماً فرصة ثانية لمن يملك الشجاعة لاستغلالها.


